يغادر الممثل… وتستمر المسرحية: حين نغيّر أخنوش وتبقى «الأخنوشية»

مولاي عبد الله الفيلالي
لا تفرحوا كثيرًا لذهاب عزيز أخنوش، إن ذهب. فالسياسة عندنا ليست مباراة خروج المغلوب، بل مسرحية طويلة النفس: إذا سقط الممثل، صعد البديل من نفس الكواليس، بنفس الماكياج، وربما بنفس الحوار مع تغيير طفيف في نبرة الصوت. الفرق الوحيد أن الجمهور يُطلب منه، في كل مرة، التصفيق بحرارة كأن العرض جديد كليًا.
القصة—للأسف—أعمق من اسم يُشطب. ما نعيشه ليس أزمة أشخاص بقدر ما هو أزمة فكر. فكرٌ يُقنعنا بأن المشكلة في “الواجهة”، وأن تغييرها يكفي لتجديد الهواء. والحقيقة أن الهواء فاسد من القاعة إلى الشرفة، من النص إلى الإخراج. وما مغادرة أخنوش—إن حدثت—إلا حركة بايضنية لقطع الطريق أمام سقوط حائط بات هدفًا سهلاً لسهام بنكيران، ذلك الرامي الذي “فين ما ضربت القرع يسيل دمو”، لا لأنه خارق، بل لأن القرع مكشوف منذ البداية.
خذوا مثلًا لازمة تضارب المصالح. تُستعمل عندنا كما تُستعمل كلمات السر في الأفلام: نعرفها، نكررها، ثم نغلق الملف. لا أحد يسأل: لماذا يسمح النظام أصلًا بتعايش السلطة مع المال؟ لماذا تتحول الاستثناءات إلى قاعدة؟ ولماذا يصبح “الانسحاب المؤقت” حلًا سحريًا يُعيد البراءة بمجرد انتهاء العاصفة الإعلامية؟ إذا كان القانون مطاطيًا، فلا تستغربوا أن يتمدد حسب المقاس.
أما الفراقشية، فهي ليست سلوكًا فرديًا بقدر ما هي مناخ. مناخ يجعل الريع يبدو ذكاءً، والالتفاف “تدبيرًا”، والربح السريع “حسًّا استثماريًا”. في هذا المناخ، يصبح المخطط—أي مخطط—أخضر اللون في العناوين، رمادي النتائج في الواقع، وتُقدَّم الأرقام كما تُقدَّم الوجبات السريعة: مشبعة في العرض، فقيرة في القيمة الغذائية.
ولنأتِ إلى مشروع تحلية مياه البحر. مشروع استراتيجي، نعم، لكن السخرية تبدأ حين يتحول الاستراتيجي إلى شخصي، والعام إلى قابل للقسمة، والصفقة إلى لغز يحتاج فقيهًا في العقود وراويًا في الحكايات. السؤال ليس: هل المشروع مفيد؟ بل: هل مرّ عبر مساطر شفافة؟ هل استوفت الشروط؟ وهل الفصل بين صاحب القرار وصاحب الشركة كان واضحًا كوضوح الماء بعد التحلية؟ إن لم يكن، فالمشكلة ليست في اسم المستثمر، بل في قواعد اللعبة.
وهنا نصل إلى لبّ الحكاية: الأخنوشية ليست شخصًا، بل فلسفة إدارة تُحبّذ الهدوء على النقاش، والأرقام على السياسة، والتقنية على المساءلة. فلسفة تُقنعنا بأن الديمقراطية تُدار بزرّ “كتم الصوت”، وأن الخلاف خطر، وأن الإجماع يُصنع في الغرف المغلقة. وحين يُحاصر هذا الفكر—لا هذا الشخص—بأسئلة القانون والدستور، يعلو الصراخ: “لماذا كل هذا التشويش؟”.
السخرية الكبرى أن البعض يريد تحويل إسقاط اسم إلى ثورة، وتقديمه كدليل على انتصار الأخلاق. بينما الأخلاق—يا سادة—لا تنتصر إلا حين تُصلَّب القواعد: استقلالية القرار العمومي، صرامة تعارض المصالح، شفافية الصفقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير ذلك، سنستبدل ممثلًا بآخر، ونكتشف بعد الاستراحة أن النص لم يتغير.
عندما يُوضع “الخبال”—بالمعنى النقدي لا الشعبوي—طوقًا حول هذا الفكر الذي يُطبع اللاقانون ويُجمّل اللادستور، عندها فقط ادعوني أصفّق. إلى ذلك الحين، دعونا لا ننخدع بصفير النهاية. الستار لم يُسدل بعد، والمسرحية—للأسف—ما زالت تُعرض.




