الرئيسيةوطني

23 شتنبر.. انتخابات ترسم ملامح المشهد السياسي المغربي المقبل

تشكل الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر الجاري محطة سياسية بارزة في مسار المملكة، باعتبارها استحقاقاً سيعيد رسم تركيبة مجلس النواب ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الحياة السياسية الوطنية.

ولا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على التنافس بين الأحزاب والمرشحين، بل تتجاوز ذلك إلى اختبار قدرة المؤسسات التمثيلية على استعادة وتعزيز ثقة المواطنين، وترسيخ مصداقية المسار الانتخابي باعتباره إحدى ركائز البناء الديمقراطي والمؤسساتي.

وتأتي هذه التشريعيات في ظرفية وطنية تتسم بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، جعلت من نجاعة السياسات العمومية وجودة الأداء الحكومي في صلب انتظارات المواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بالتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والقدرة الشرائية.

وتفرض المرحلة المقبلة مواصلة الإصلاحات وتثبيت دعائم الدولة الاجتماعية، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية والرفع من نجاعة العمل العمومي، بما يضمن استجابة أكثر فعالية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.

ويبرز التشغيل، ولا سيما بالنسبة إلى فئة الشباب، كأحد أبرز الملفات التي ستختبر قدرة الحكومة المقبلة على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات ملموسة. فالتحدي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، وإنما أيضاً بمدى ملاءمة منظومة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتعزيز الإدماج المهني والاجتماعي، ومواكبة التحولات التي تفرضها الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

كما تظل الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى العلاج وتطوير البنيات الصحية والتعليمية، خاصة في المناطق النائية، من الملفات التي ستؤثر بشكل مباشر في مستوى ثقة المواطنين في المؤسسات وقدرتها على الاستجابة لحاجياتهم اليومية.

ومن زاوية أخرى، تطرح التنمية الترابية وتقليص الفوارق بين المجالات نفسها كرهان أساسي أمام المرحلة المقبلة، في ظل تحديات متزايدة مرتبطة بالموارد المائية والتحولات المناخية، فضلاً عن تداعيات السياق الدولي المتغير.

ويرى أبو الذهب أن تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة يقتضي تعزيز التنسيق بين الجهاز التنفيذي والجماعات الترابية، وتشكيل أغلبية حكومية أكثر انسجاماً، بما يسمح بتحويل السياسات الوطنية إلى برامج ذات أثر ملموس على المستوى الترابي، وضمان استفادة أكثر توازناً من ثمار التنمية.

وتظل المشاركة الانتخابية بدورها من أبرز التحديات المطروحة أمام الأحزاب والفاعلين السياسيين، خصوصاً في صفوف الشباب. ويعتبر أبو الذهب أن تعزيز الإقبال على صناديق الاقتراع يمر أساساً عبر تجديد الصلة بين المواطن والعمل العمومي، وجعل نتائج السياسات الحكومية أكثر حضوراً في الحياة اليومية.

ولا تقتصر هذه المسؤولية على الأحزاب وحدها، بل تشمل أيضاً المجتمع المدني والنقابات ومختلف الفاعلين، في وقت أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي فضاءً رئيسياً للنقاش السياسي والتواصل مع الناخبين، بما توفره من فرص للتفاعل، وما تطرحه في المقابل من تحديات مرتبطة بالمعلومة والمصداقية والخطاب السياسي.

وبذلك، تبدو انتخابات 23 شتنبر أكثر من مجرد موعد لتجديد مجلس النواب، فهي اختبار لمدى قدرة المشهد السياسي المغربي على تجديد نفسه والاستجابة لتحولات المجتمع وانتظاراته.

فالرهان الحقيقي يتمثل في قدرة الأحزاب المتنافسة على تقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، وتجديد جسور الثقة مع المواطنين، واستقطاب الشباب، وتحويل العملية الانتخابية من مجرد تنافس على المقاعد إلى آلية لإنتاج سياسات عمومية أكثر نجاعة وعدالة.

ومن هذا المنظور، قد تشكل تشريعيات 23 شتنبر مدخلاً لمرحلة سياسية جديدة، يكون معيار نجاحها ليس فقط شكل الخريطة البرلمانية المقبلة، وإنما أيضاً مدى قدرتها على ترجمة نتائج الاقتراع إلى سياسات تستجيب للتحولات التي تعرفها المملكة وتطلعات المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى