
على مدى 27 عامًا، قطع المغرب أشواطًا مهمة في مسار تحول استراتيجي لقطاع الطاقة، انتقل خلاله من أولوية تأمين الإمدادات الطاقية إلى بناء نموذج يقوم على تنويع مصادر الإنتاج، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز النجاعة الطاقية، ودعم الصناعات منخفضة الكربون، في إطار رؤية جعلت من الانتقال الطاقي رافعة للسيادة الطاقية والتنمية المستدامة.
وشكل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطاقة سنة 2009 محطة بارزة في هذا المسار، بعدما حددت المملكة أهدافًا طموحة لتنويع المزيج الطاقي، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية. وخلال السنوات الأخيرة، توسع هذا الرهان ليشمل تطوير اقتصاد الهيدروجين الأخضر واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات النظيفة.
وبفضل مشاريع كبرى، في مقدمتها المركب الشمسي “نور ورزازات” ومحطات الطاقة الريحية المنتشرة بعدد من مناطق المملكة، تمكن المغرب من تعزيز موقعه كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين في مجال الطاقات المتجددة. وقد ساهمت هذه المشاريع في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى نحو 46 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة، مع مواصلة الجهود لبلوغ هدف 52 في المائة في أفق سنة 2028.
كما ساهم هذا التحول في تقليص مستوى التبعية الطاقية للمغرب، التي سجلت تراجعًا تدريجيًا منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطاقة، بفضل ارتفاع مساهمة الإنتاج المحلي للكهرباء من المصادر النظيفة، رغم استمرار اعتماد المملكة على واردات الطاقة لتلبية جزء من حاجياتها.
ولم يعد الانتقال الطاقي المغربي يقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل أصبح عنصرًا محوريًا في جذب الاستثمارات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية. فقد أضحى المغرب وجهة متقدمة للشركات الدولية الراغبة في تطوير سلاسل إنتاج مرتبطة بالسيارات الكهربائية، والبطاريات، والهيدروجين الأخضر، بفضل توفره على بنية صناعية متطورة وموقع استراتيجي قريب من الأسواق الأوروبية.
وفي هذا الإطار، دخلت المملكة مرحلة جديدة مع إطلاق “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر، حيث تم اختيار مجموعة من المشاريع الاستثمارية الكبرى بقيمة تقارب 319 مليار درهم، ستنجز بعدد من جهات المملكة، وتركز على إنتاج الهيدروجين والأمونياك الأخضر والوقود الاصطناعي والفولاذ الأخضر، وهي قطاعات مرشحة للاضطلاع بدور أساسي في مستقبل الاقتصاد الوطني.
وبموازاة ذلك، يواصل المغرب تعزيز استثماراته في مجال الطاقات النظيفة، من خلال برامج تستهدف تطوير قدرات جديدة لإنتاج الكهرباء المتجددة، إلى جانب تعزيز إمكانيات التخزين وتحديث الشبكة الكهربائية، بما يرفع مرونتها ويدعم اندماج مصادر الطاقة النظيفة.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل المتطلبات البيئية الجديدة للأسواق العالمية، خاصة الأوروبية منها، حيث بات خفض الانبعاثات الكربونية عاملًا حاسمًا في الحفاظ على تنافسية الصادرات واستقطاب استثمارات تبحث عن بيئات إنتاج أكثر استدامة.
ويرى متابعون أن الانتقال الطاقي بالمغرب تجاوز البعد البيئي ليصبح خيارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، بالنظر إلى دوره في تعزيز الأمن الطاقي، وخلق فرص الشغل، وتطوير صناعات المستقبل، وترسيخ مكانة المملكة كحلقة وصل طاقية وصناعية بين أوروبا وإفريقيا.
ومع اقتراب احتضان المغرب لكأس العالم 2030، يُرتقب أن تشكل المشاريع الكبرى في مجالات الطاقة النظيفة، والربط الكهربائي، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية الطاقية، دفعة جديدة لتعزيز موقع المملكة كمنصة إقليمية للاقتصاد الأخضر والصناعات منخفضة الكربون، في مسار بدأ قبل أكثر من ربع قرن ويتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الاستدامة والتنافسية.




