
إقليم الحوز
اهتزت جماعة “سيدي بدهاج” التابعة لإقليم الحوز، زوال اليوم الجمعة، على وقع فاجعة إنسانية مؤلمة، إثر إقدام شخص يعاني من اضطرابات نفسية حادة على ارتكاب جريمة قتل مروعة ذهب ضحيتها رجل سبعيني من أقاربه. وحسب مصادر مطلعة، فإن الجاني باغت الهالك باعتداء وحشي باستخدام آلة حادة، لم تترك له فرصة للنجاة، حيث أردته جثة هامدة في الحين، قبل أن تمتد نوبة الهيجان لتطال والده الذي تعرض لرشق عنيف ومستمر بالحجارة، مما تسبب له في إصابات بليغة استدعت نقله على وجه السرعة صوب قسم المستعجلات في حالة صحية حرجة.
وفور إخطارها بالواقعة، استنفرت مصالح الدرك الملكي بمركز “أمزميز” عناصرها، حيث انتقلت إلى عين المكان على وجه السرعة وتمكنت من شل حركة الجاني وإيقافه قبل تطور الأمور إلى مأساة إضافية، فيما جرى نقل جثمان الهالك إلى مستودع الأموات لإخضاعه للتشريح الطبي، موازاة مع فتح تحقيق معمق تحت إشراف النيابة العامة المختصة لكشف الظروف والملابسات الكاملة المحيطة بهذا الحادث الذي هز سكينة المنطقة.
تفتح هذه الواقعة الأليمة من جديد ملف “الصحة العقلية” في المناطق القروية والنائية، وتضعنا أمام تساؤلات حارقة حول الفراغ المؤسساتي في تتبع الحالات التي تعاني من اضطرابات ذهنية وتعيش وسط تجمعات سكانية دون رقابة طبية أو أمنية استباقية. إن تحول مريض نفسي إلى مشروع “قاتل” ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تظافر عوامل عدة، تبدأ من غياب البنيات التحتية المتخصصة في الطب النفسي بالأقاليم البعيدة، وصولاً إلى “الوصمة الاجتماعية” التي تجعل العائلات تكتفي باحتجاز أبنائها منزلياً دون علاج، وهو ما يحول البيوت إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
تكشف الجريمة عن قصور في آليات “اليقظة الاجتماعية”، فالمريض النفسي الذي يفتقر للبروتوكول العلاجي الدائم، يصبح رهينا لنوبات “الذهان الحاد” التي تنعدم فيها القدرة على التمييز، وتتحول لديه مشاعر القرابة إلى أوهام اضطهادية تدفعه للعنف المفرط.
إن تدخل عناصر الدرك الملكي السريع حال دون وقوع مجزرة أكبر، لكنه يظل تدخلاً بعدياً، بينما تبقى الحاجة ماسة إلى مقاربة استباقية تبدأ من رصد هذه الحالات وإدماجها في مسارات علاجية قسرية إذا ثبت خطرها على الأمن العام.
وفي هذا الصدد تستوجب واقعة سيدي بدهاج انتقالاًد جذريا في التعاطي مع ملف المرضى النفسيين بالمغرب، من مجرد “تشخيص” عابر إلى “سياسة أمنية صحية” متكاملة توفر التغطية والتدخل في المناطق الهشة. فبقاء المصابين باضطرابات عقلية خطيرة طلقاء دون متابعة، يحول المأساة الفردية إلى تهديد جماعي، ويجعل من فواجع الحوز مادة دورية في سجلات الحوادث، ما لم يتم تطويق الظاهرة بمقاربة قانونية صارمة تحمي المريض والمحيطين به، وتنهي حالة الرعب التي تفرضها هذه “القنابل البشرية” الصامتة.




