
تتحول ردهات رئاسة النيابة العامة بالعاصمة الرباط، في صبيحة هذا الاثنين 09 مارس 2026، إلى فضاء يفيض بمعاني الاعتراف والتقدير، حيث لم يكن الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة مجرد طقس مناسباتي تمليه الأجندة السنوية، بل تجسيد لعمق التحول الجذري الذي يشهده الجسم القضائي المغربي.
في هذا المحفل المهني الرفيع الذي ترأسه هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس رئاسة النيابة العامة، بدت ملامح المستقبل ترتسم بوضوح فوق وجوه القاضيات والموظفات اللواتي انتقلن من مربع “المطالبة بالحقوق” إلى “صناعة القرار القضائي” وحراسة معبد العدالة بكل تجرد ومسؤولية.
إن المشهد داخل هذه المؤسسة السيادية اليوم يعطي إشارات قوية على أن “نون النسوة” في المغرب قد تجاوزت مرحلة التمثيلية العددية البسيطة لتستقر في صلب الفعالية المهنية والقرار الاستراتيجي.
هذا الاحتفال، الذي جاء بتعاون مثمر مع جمعية قضاة وموظفي رئاسة النيابة العامة، وضع النقاط على الحروف بخصوص دور المرأة كفاعل مركزي في تنزيل السياسات الجنائية، والمساهمة المباشرة في صون الحريات العامة، مما يجعل من حضورها ركيزة لا غنى عنها في استقرار المنظومة الحقوقية للمملكة المغربية.
لغة الأرقام.. اختراق نسائي لقلاع القضاء التقليدية
في كلمته التي حملت نبرة تقدير عالية ومسؤولة، شدد رئيس رئاسة النيابة العامة على أن المجهودات التي تبذلها النساء داخل هذه المؤسسة ليست مجرد أداء وظيفي روتيني، بل هي التزام وطني وأخلاقي يعكس مستوى عاليا من الكفاءة التي لا تقبل التشكيك. هذا التصريح يقطع الطريق نهائيا أمام القراءات التقليدية التي كانت تحاول حصر دور المرأة في جوانب إدارية ثانوية، ليؤكد أن القاضية والموظفة في رئاسة النيابة العامة باتت تدبر أعقد الملفات الجنائية والمدنية بمهنية تضاهي، بل وتتفوق في كثير من الأحيان، على المعايير المعتمدة دوليا في تدبير الشأن القضائي.
ويأتي هذا التطور منسجما مع المعطيات الرقمية الميدانية التي تكشف عن صعود مستمر ومدروس للحضور النسائي في سلك القضاء؛ إذ تشير التقارير الرسمية إلى أن النساء يمثلن اليوم نحو 27% من مجموع القضاة بالمملكة. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء جاف، بل هو صرخة نجاح لأوراش استقلال السلطة القضائية التي فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الكفاءات النسائية لاقتحام مجالات كانت لعقود طويلة تعتبر “مناطق مغلقة” أو حكرا ذهنية ذكورية، مما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص الذي نص عليه الفصل 19 من دستور 2011 كمرجع أسمى للقوانين المغربية.
حارسات معبد الحق ومحاربات العنف ضد النساء
لا ينفصل الاحتفاء بذكاء المرأة المهني عن الدور المحوري الذي تلعبه رئاسة النيابة العامة في حماية حقوق النساء أنفسهن داخل النسيج المجتمعي. لقد استعرض هذا الحفل السنوي الأدوار الطلائعية التي تقوم بها النيابة العامة في تفعيل الترسانة القانونية الحديثة، وعلى رأسها القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء. وهنا تبرز القاضية المغربية كحائط صد منيع ضد التمييز والاضطهاد؛ فهي التي تسهر بفعالية على ضمان التطبيق السليم للقانون وملاحقة الجناة، مع توفير الدعم النفسي والقانوني اللازم عبر خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف الموجودة داخل مختلف محاكم المملكة.
هذه المقاربة المؤسساتية تتجاوز البعد الزجري الصرف لتغوص في الأبعاد الوقائية والاجتماعية، من خلال التنسيق الوثيق مع مختلف الفاعلين من أمن وطني، ودرك ملكي، وقطاعات حكومية، ومكونات المجتمع المدني. إن نساء رئاسة النيابة العامة هن اللواتي يقدن اليوم هذه الدينامية الحيوية، مما يمنح “أنسنة” واضحة للمساطر القضائية، ويجعل من المؤسسة ملاذا آمنا لكل امرأة تعرضت لانتهاك كرامتها أو حقوقها، في تجسيد حي لمفهوم القضاء في خدمة المواطن.
الرؤية الملكية.. تمكين المرأة كركيزة للدولة الاجتماعية
إن ما يعيشه الجسم القضائي اليوم من دينامية نسائية قوية هو ثمرة مباشرة للرؤية الإصلاحية الشاملة التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من تمكين المرأة ركيزة أساسية في مشروع بناء الدولة الاجتماعية الحديثة ودولة الحق والقانون. فالمساواة والمناصفة لم تعد شعارات ترفع في المناسبات الدولية والندوات الفكرية، بل أصبحت واقعا ملموسا نراه في تعيين النساء في مناصب المسؤولية والقرار داخل هرم السلطة القضائية والنيابة العامة.
هذا التوجه الاستراتيجي يعزز من إشعاع المغرب كدولة قانون تحترم التزاماتها الدولية وتستثمر في رأسمالها البشري دون إقصاء أو تمييز على أساس الجنس. فالمرأة القاضية والموظفة والعاملة في رئاسة النيابة العامة أثبتت أنها تمتلك من “الصمود المهني” ما يجعلها قادرة على مواجهة أصعب التحديات في بيئة عمل تتسم بالضغط وكثرة الملفات، محققة بذلك توازنا دقيقا بين صرامة القانون وروح العدالة.
شهادات من قلب الواقع.. اعتراف بالجميل وتطلع للمستقبل
خلال مراسم الحفل، لم تكن الكلمات الرسمية هي الوحيدة التي ملأت الفضاء، بل كانت هناك نبضات إنسانية لنساء بصمن على مسارات استثنائية. قاضيات أفنين زهرة شبابهن في البحث عن الحقيقة، وموظفات اشتغلن في الظل لضمان سير المرفق القضائي بسلاسة. هؤلاء النساء هن اللواتي يكتبن اليوم التاريخ السري للعدالة المغربية؛ تاريخ يصاغ بالدقة، والنزاهة، والترفع عن الصغائر.
إن الاحتفاء بنساء رئاسة النيابة العامة في هذا التاريخ الرمزي (مارس 2026) هو في جوهره احتفاء بقيم العصرنة والتحديث. فداخل المكاتب الأنيقة للمؤسسة، وفي جلسات المحاكم المزدحمة، تتحول “الكفاءة النسائية” إلى لغة مشتركة تذيب الفوارق التقليدية، وتؤكد أن معيار الاستحقاق هو الذي يحكم مسارات الترقية وتولي المسؤوليات الجسيمة.
نحو أفق المناصفة الشاملة
رغم المكتسبات الكبيرة، يظل طموح رئاسة النيابة العامة أكبر؛ إذ يتجه النظر نحو تحقيق مناصفة فعلية تترجم الالتزامات الدستورية إلى واقع رقمي يتجاوز عتبة الـ 27%. إن الرهان المعقود على النساء داخل الجهاز القضائي يتجاوز مجرد الحضور العددي ليشمل الابتكار في طرق العمل، وتوظيف الرقمنة في خدمة العدالة، وتطوير آليات التواصل مع المرتفقين.
لقد أبانت نساء هذه المؤسسة عن قدرة فائقة على التكيف مع التحولات التكنولوجية التي يشهدها القضاء المغربي، مساهمات بذلك في تقليص آجال البت في الملفات وتجويد الخدمات القضائية المقدمة للمواطنين. وهذا التميز المهني هو الذي جعل من المرأة في النيابة العامة “صمام أمان” حقيقي لسيادة القانون.
إن هذا اليوم الاحتفالي بالرباط لم يكن مجرد لحظة لتوزيع الزهور والكلمات الرقيقة، بل كان وقفة تأمل جماعية في حصيلة مسار طويل من النضال المهني والقانوني. هي رسالة واضحة لكل نساء المغرب: إن أبواب العدالة مفتوحة للكفاءة، وإن سقف الطموح لا يحده سوى الجد والاجتهاد. ومع غروب شمس هذا اليوم، تظل أصداء الاحتفاء تتردد في أروقة رئاسة النيابة العامة، محفزة الجميع على مواصلة العمل بنفس الروح الإيجابية لبناء مغرب يتسع لكل طموحات أبنائه وبناته على حد سواء.




