الرئيسيةسياسةمن الزيرو... مع نهرو...
الأكثر رواجًا

البام مع وضد قانون الصحافة: فصام حزب فقد هويته

سفيان نهرو

بعض الملفات الخلافية التي تنتج التوتر، خير للأحزاب المتورط وزراؤها في تفاصيلها، اختيار منهجية” الصمت الحكيم”… لا الخطاب المزدوج..

هذا ما كنت أنتظره من  مخرجات اجتماع المكتب السياسي للبام …

نعم… أن يضع البام  مسافة بينه وبين موضوع ساخن، ” قانون مجلس الصحافة”… ليس بالضرورة أن يعبر المهدي بنسعيد عن مواقف الحزب وكل الأطياف والحساسيات داخل حزب الأصالة والمعاصرة… حزب دشن خروجه بتقديم نفسه كخيمة لكل تيار… من اليسار إلى اليمين… لكل الحساسيات…. لكن يبدو أن البام… اختار موقعا لم يعد ينسجم مع مرجعيته التاريخية… بيان مكتبه السياسي الأخير بلا لون سياسي ولا موقف واضح…

  • اللغة تحتمل…. كل المواقع… هنا وهناك… برغماتية فجة تعمق الأزمات…. ويتلاشى معها خطاب الهوية…

فبين الدعم والتلميح، وقف حزب الأصالة والمعاصرة أمام قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وكأن السياسة لعبة متقنة حيث كل شيء مسموح به… إلا الصدام المباشر. الحزب قال “نعم” للقانون، وقال في الوقت نفسه “نعم” للمعارضة، معتبرا اعتراضها ممارسة ديمقراطية راقية.

أي أن القانون يمضي إلى الأمام، والمعارضة تحتج، والحزب يبتسم لكل الأطراف، كما لو أنه يقول: لا تقلقوا، نحن على وفاق مع الجميع، حتى لو كان القانون يقلقكم أكثر من أي شيء آخر.

 

البيان العجيب العاجئبي الصادر عن المكتب السياسي جاء في زمن حساس: بعد مصادقة مجلس المستشارين على القانون وقبل إحالة الطعن إلى المحكمة الدستورية، أي وسط أجواء تشوبها الحذر الشديد، خصوصا من جانب الصحافيين والنقابات التي اعتبرت القانون تهديدا لاستقلالية المجلس ولروح حرية الإعلام. هنا، السياسة تصبح فن إدارة التوتر: دعم التشريع، مع احترام الرموز الديمقراطية، دون أن يلمس القانون نفسه أي تعديل فعلي.

لم يكتف الحزب بلغة مطاطية تليق بكل طرف. بل مضى ليخفي اخفاقات  الحكومة بتحية الملك والشعب بمناسبة السنة الميلادية والأمازيغية، ويثمن النجاحات الدبلوماسية في ملف الصحراء المغربية، ويستشرف تغييرات مجلس الأمن، ويشيد بمجهودات السلطات المحلية في مواجهة الثلوج، ويتباهى بتنظيم كأس أمم إفريقيا. طيب ما حظكم من كل هذه الانجازات الملكية؟ عدتم لتختبئوا وراء الملك…عدتم لتنسبوا مشاريع ملكية جبارة لزمنكم السياسي…. لا عليكم… الشعب يعرف… فلعبة التعلق بطوق النجاة السياسي لكل المبادرات الملكية لتعويض أي شعور بالقلق قد يثيره القانون نفسه، وإيهام القارئ بأن كل شيء يسير بسلاسة، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيدا… لن يخفي أنكم أوجعتم الجميع… وللشعب مواعد معكم قريبة… فهاتوا إنجازاتكم…

اللافت أن البيان يتضمن سخرية رقيقة، لكنها ذكية: “القانون يثير قلق الصحافيين، والاعتراض مشروع، والديمقراطية حاضرة…”

يا رب…كل ذلك  لا يوجد إلا في لوحة متقنة من الكلمات، تجعل من الأزمة محفلا لإظهار قدرة الحزب على الجمع بين الأطراف، دون أن يخسر موقفه في الأغلبية. إنها سخرية سياسية هادئة، تقول ضمنيا: القانون ماض، والمعارضة محترمة، والحزب الأكثر حكمة من أن يدخل في صدام.

القراءة السياسية لهذا الموقف تكشف أن البام يمارس لعبة التخفي والتوزان على حبل السياسة الرفيع: دعم نص تشريعي محل خلاف، دون أن يثير الانقسام، وإبراز احترام المؤسسات، دون الدخول في جدل حول مضمون القانون.

السياسة هنا تصبح لعبة رسم خطوط مستقيمة بين التوقعات الشعبية والتزامات الأغلبية، وبين الحرص على الحرية والاعتراف بالمخاوف، وبين الممارسة السياسية الفعلية والصورة العامة.

موقف حزب الأصالة والمعاصرة من قانون مجلس الصحافة ليس مجرد تأييد أو رفض، بل درس في السياسة الهادئة: قانون يمر… اعتراض يسجل، والديمقراطية تحافظ على حضورها الرمزي، بينما الحزب يحمي صورته كفاعل سياسي ناضج، يعرف متى يرفع صوته، ومتى يبتسم، ومتى يترك المشهد للمتفرجين ليحللوا.

إنها سياسة تتسم بالقدرة على لعب دور الشبح، بالنقد المزدوج، وبسخرية إنسانية لطيفة تجعل من كل نزاع لحظة لإظهار التوازن، لا الانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى