الرئيسيةسياسة

المغرب يرسّخ حضوره في جهود السلام بغزة عبر أول مشاركة في قوة دولية لحماية المدنيين

حين تتحرك المملكة المغربية من أجل السلام، فإنها لا تكتفي بإصدار البيانات أو ترديد الشعارات، بل تحول مواقفها السياسية والإنسانية إلى التزامات عملية على أرض الواقع.

وهذا ما يجسده القرار التاريخي بمشاركة المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة، في خطوة جديدة تؤكد أن المملكة، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رئيس لجنة القدس، تظل في طليعة الدول الساعية إلى حماية المدنيين وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار وإرساء سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية، استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، يوم الأربعاء 15 يوليوز 2026 بمقر إدارة الدفاع الوطني بالرباط، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، الذي يقود وفدا رفيع المستوى يضم مسؤولين من المجلس وقائد قوة الاستقرار الدولية في غزة.

وجرى هذا اللقاء بحضور كبار المسؤولين العسكريين، واختتم بالتوقيع على الاتفاق المنظم لمشاركة المملكة المغربية في قوة الاستقرار الدولية، بما يوفر الإطار القانوني والتقني والعملياتي لهذا الانخراط.

ويكتسي هذا الاتفاق أهمية خاصة، باعتبار المغرب أول بلد يبادر إلى توقيع اتفاق من هذا النوع مع مجلس السلام، في تجسيد واضح للمصداقية التي تحظى بها المملكة، ولروح المبادرة التي تميز سياستها الخارجية تحت القيادة الملكية.

كما يعكس هذا الانخراط انتقال المغرب من دعم المساعي الدولية إلى المساهمة المباشرة في تنزيلها ميدانيا، دون أي مساومة على مواقفه التاريخية والثابتة تجاه القضية الفلسطينية.

وتشمل المساهمة المغربية نشر ضباط سامين من القوات المسلحة الملكية لدى القيادة المشتركة للقوة، إلى جانب أطر من الدرك الملكي والمديرية العامة للأمن الوطني، فضلا عن إقامة مستشفى عسكري ميداني لفائدة سكان قطاع غزة. وهي مشاركة متعددة الأبعاد تجمع بين الخبرة العسكرية والأمنية والدعم الطبي والإنساني.

ولا تمثل هذه الخطوة تحولا مفاجئا، بل تندرج ضمن مسار طويل من المبادرات الملموسة التي راكمها المغرب. فقد كانت المملكة، بتعليمات ملكية سامية، من أوائل الدول التي نجحت في إيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة عبر طريق بري منذ اندلاع الحرب، في وقت ظلت فيه أطراف أخرى رهينة الخطابات والمزايدات.

كما يواصل المغرب، عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، تنفيذ مشاريع اجتماعية وإنسانية لفائدة الفلسطينيين في القدس الشرقية، دعما لصمودهم وتحسينا لظروف عيشهم. ويضاف إلى ذلك انخراط المملكة في مجلس السلام ومساهمتها في ميزانيته، إلى جانب الدعم العسكري والأمني والطبي الموجه لحماية المدنيين.

ومن المهم التأكيد أن قوة الاستقرار الدولية ليست قوة احتلال، ولا أداة للانحياز لأي طرف، بل تضطلع بمهام أساسية تتمثل في تأمين قطاع غزة وسكانه، وتوفير بيئة آمنة لوصول المساعدات الإنسانية، والمساهمة في إعادة الإعمار، إلى جانب تدريب جهاز شرطة قادر على حفظ النظام العام وحماية المواطنين.

وتأتي هذه القوة في سياق الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، ومنع تجدد المواجهات، وتمكين المدنيين من العودة إلى ديارهم في ظروف آمنة وكريمة. ومن ثم، فإن مشاركة المغرب تعكس أولوية واضحة: حماية أرواح المدنيين وصون كرامتهم، دون أي انحياز سياسي أو عسكري.

وفي الآن ذاته، يظل موقف المملكة المغربية من الحل السياسي ثابتا لا لبس فيه، حيث يدعم المغرب حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لإقرار سلام عادل ومستدام، من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، تعيش في أمن وسلام إلى جانب إسرائيل، على أساس حدود الرابع من يونيو 1967.

كما يعكس انخراط المغرب في مجلس السلام تثمينه للجهود الدولية التي أسهمت في بلورة خطة السلام، دون أن يعني ذلك التخلي عن ثوابته أو المقايضة بها.

وتستند هذه المبادرة إلى تجربة راسخة راكمها المغرب في عمليات حفظ السلام تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلى الثقة الدولية التي تحظى بها القوات المسلحة الملكية والأجهزة الأمنية المغربية، بفضل كفاءتها وانضباطها وخبرتها في التعامل مع البيئات المعقدة.

ولا تقف دلالة هذا الاتفاق عند حدود المشاركة التقنية أو الأمنية، بل تتجاوزها لتكرس موقع المغرب فاعلا أساسيا في هندسة مرحلة ما بعد الحرب، من خلال المساهمة في تثبيت الأمن، وضمان انسيابية العمل الإنساني، وتهيئة شروط إعادة الإعمار وعودة السكان إلى منازلهم.

كما أن الطابع المتكامل للمشاركة المغربية، التي تجمع بين البعدين العسكري والأمني والدعم الطبي والإنساني، يعكس رؤية شمولية للاستقرار، لا تختزله في الجانب العسكري فقط، بل تربطه بحماية المدنيين وتحسين ظروف عيشهم.
إن توقيع هذا الاتفاق لا يمثل مجرد إجراء قانوني أو بروتوكولي، بل يجسد فلسفة مغربية راسخة مفادها أن السلام لا يُبنى بالخطابات وحدها، بل يحتاج إلى التزام فعلي واستثمار سياسي وأمني وإنساني على أرض الواقع.

وبهذه الخطوة، يؤكد المغرب مرة أخرى أنه لا يتاجر بمعاناة الفلسطينيين، ولا يحول قضيتهم إلى مادة للمزايدة، بل يسخر إمكاناته وخبرته ومكانته الدبلوماسية للمساهمة في إنقاذ الأرواح واستعادة الأمن وإعادة البناء.

ولقد اختار المغرب أن يكون في قلب الحل، لا على هامش الأزمة، وأن يضع خبراته العسكرية والأمنية والدبلوماسية والإنسانية في خدمة شعب أنهكته الحرب. ومن خلال توقيعه أول اتفاق من هذا النوع، يبرهن أن مكانته الدولية تقوم على الثقة والمصداقية وروح المبادرة.

إنها خطوة تاريخية تترجم رؤية جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، القائمة على أن السلام مسؤولية جماعية، وأن حماية المدنيين واجب لا يحتمل التأجيل، وأن نصرة الفلسطينيين تكون بصون حياتهم وكرامتهم، وإعادة الأمن إلى مدنهم، وفتح أفق سياسي يضمن لهم حقهم المشروع في الدولة والاستقلال.
وهكذا يواصل المغرب بناء السلام بالفعل، بعيدا عن ضجيج الشعارات والمزايدات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى