الرئيسيةرياضة

المغرب يعيد صياغة كأس أمم إفريقيا بعقلية تنظيمية تتجاوز النموذج الأوروبي

تُقام كأس أمم إفريقيا اليوم بروح مغايرة وملامح غير مألوفة في الذاكرة الكروية للقارة، إلى حدّ أصبح معه من المشروع القول إن البطولة تُدار بعقلية تنظيمية تقترب، بل وتتجاوز في بعض جوانبها، النموذج الأوروبي ذاته.

وهي عبارة لم يكن من السهل تخيّلها قبل سنوات قليلة، حين كانت البطولات الإفريقية تقترن في الأذهان بمواعيد صيفية قاسية، وحرارة خانقة، ورطوبة مُنهِكة، ولاعبين يصارعون الإرهاق أكثر مما يصنعون الفرجة، ومدرجات مكتظة في ظروف تفتقر لأبسط معايير الراحة، وملاعب ببنية تحتية متقادمة لا تعكس تاريخ القارة ولا حجم شغفها باللعبة.

اليوم، تغيّر المشهد جذريًا. فالمغرب لم يكتفِ بتنظيم البطولة، بل أعاد تعريف مفهوم التنظيم القاري من أساسه. منشآت حديثة، ملاعب بمعايير عالمية، أرضيات قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية، شبكات نقل فعّالة، منظومة أمنية وخدماتية محكمة، وتنسيق دقيق بين مختلف المتدخلين. كل تفصيل يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من كأس أمم إفريقيا تجربة متكاملة، لا مجرد مباريات تُلعب ثم تُنسى.

هذا التحول النوعي رفع سقف التوقعات بشكل غير مسبوق، ووضع بقية الدول أمام مقارنة صعبة. فبعد النموذج المغربي، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالحد الأدنى، ولا التذرّع بالإكراهات المناخية أو اللوجستية لتبرير ضعف التنظيم. لقد قُدّم نموذج يُحرج ثقافة “التسيير بالمتاح”، ويفرض منطق التخطيط والاستثمار والالتزام بالمعايير الدولية، بل وتجاوزها في بعض الجوانب المرتبطة براحة اللاعب والجمهور معًا.

ورغم ذلك، لم يسلم هذا الإنجاز من محاولات التقليل، خاصة عبر التركيز على مسألة الحضور الجماهيري، وترديد عبارات من قبيل “المدرجات غير ممتلئة”. غير أن هذا الطرح يتجاهل عمدًا عوامل أساسية تتحكم في نسب الحضور، من توقيت المباريات وأسعار التذاكر، إلى برمجة اللقاءات وتوزيعها الجغرافي، وصولًا إلى طبيعة كل مواجهة وسياقها التنافسي. ثم إن نجاح بطولة قارية لا يُقاس فقط بعدد المتفرجين، بل بجودة التنظيم، وسلامة اللاعبين، واحترام الجماهير، والصورة التي تُقدَّم للعالم.

الحقيقة أن المغرب لا يدّعي الكمال ولا يضع نفسه فوق النقد، لكن الإنصاف يفرض الاعتراف بأن ما تحقق يتجاوز مجرد استضافة ناجحة. نحن أمام عقلية تنظيمية جديدة، تُدار باحتراف، وتُبنى على رؤية شاملة، تجعل من كأس أمم إفريقيا منتجًا كرويًا قادرًا على منافسة أكبر البطولات، ليس من حيث الشكل فقط، بل من حيث المعايير والاستدامة.

ما يحدث اليوم ليس ترفًا ولا استعراضًا، بل خطوة استراتيجية إلى الأمام لصالح كرة القدم الإفريقية ككل. ومن يجد نفسه منزعجًا من هذا التحول، فالمشكلة ليست في المغرب، بل في عقلية ما زالت ترفض التطور وتخشى المقارنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى