
في ليلة استثنائية لم تكن تشبه هدوء مدينة ابن جرير المعتاد، استيقظت الرحامنة على وقع فاجعة إنسانية هزت الأركان وبددت السكينة، حيث شهدت الساعات الأولى من فجر الأربعاء الخامس والعشرين من فبراير الجاري فصلا دمويا انتهت فيه حياة شيخ سبعيني تحت وطأة العنف المفرط.
جريمة تجسدت فيها كل معاني المأساة حينما أزهقت روح إنسان بلغ من العمر 75 سنة في ركن منزو بداخل فندق غير مصنف بالقرب من السوق الأسبوعي، ليرسم المشهد لوحة تراجيدية لشيخوخة لم تجد وقارا ولا رحمة، بل وجدت هراوة غادرة هشمت الرأس وأطفت نور الحياة في غفلة من الزمن، تاركة وراءها صدمة اجتماعية عميقة تتجاوز حدود المكان والزمان.
بدأت خيوط هذه الفاجعة حينما ساور الشك مستخدم الفندق الذي لمس في ملامح شاب يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما ارتباكا غير مبرر وهو يحاول التسلل خارجا بذريعة اقتناء بعض الحاجيات، وما زاد من قتامة المشهد وجود آثار دماء علقت بملابس الشاب لتفضح ما حاولت الظلمة ستره، وعند تفقد الغرف في الطابق الثاني صدم المستخدم بمشهد يحبس الأنفاس لشيخ مدرج في دمائه وقد فارق الحياة بطريقة بشعة توحي بحجم الحقد أو التيه الذي قاد إلى هذه النهاية، حيث عثر بجانب الجثة على عازل طبي يعطي للجريمة بعدا إنسانيا واجتماعيا معقدا يرجح فرضيات الشذوذ وما يرافقها من انكسارات نفسية وسلوكية صادمة.
لم يتأخر الرد الأمني الذي استنفر كل طاقاته لفك لغز هذه الليلة الدامية، حيث انقسمت الفرق الأمنية بين فحص مسرح الجريمة لجمع ما تبقى من أشلاء الحقيقة وبين مطاردة المشتبه به الذي حاول الفرار عبر الطريق المؤدية إلى جماعة بوشان، وفي ظرف قياسي تمكنت السلطات من محاصرته وتوقيفه ليواجه مصيره أمام القضاء، بينما تم نقل جثمان الراحل إلى مستودع الأموات لإخضاع ما تبقى من جسده المنهك للتشريح الطبي، لتظل هذه الواقعة جرحا غائرا في ذاكرة المدينة يجسد مأساة إنسانية تداخلت فيها الشيخوخة بالانحراف والدم بالخيانة.




