الرئيسيةوطني

مواد خطيرة في قانون المحاماة: قرار مؤسساتي بآثار زلزالية

ما يتهدد جمعية هيئات المحامين بالمغرب ليس مجرد تقليص أدوار، بل الحل أو التجميد التلقائي بحكم الواقع القانوني. فالمشروع، في صيغته المتداولة، لا يكتفي بتنظيم المهنة، بل يعيد رسم خريطة السلطة داخلها، واضعا نهاية غير معلنة لكيان مهني راكم حضورا رمزيا ونقابيا لعقود.

القاعدة في التشريع المقارن واضحة:

عندما يُحدث المشرع هيئة قانونية جديدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والتمثيلية الحصرية، فإن أي إطار سابق يشتغل في نفس المجال يفقد مبرر وجوده، حتى دون نص صريح على الحل.

وهذا بالضبط ما يقع هنا.

من جمعية إلى “مجلس” … انتقال السلطة لا الشكل

المادة 115 من القانون المرفوض تؤسس لـ “مجلس هيئات المحامين”، هيئة قانونية ذات استقلال مالي وشخصية اعتبارية، مقرها الرباط، تضم جميع الهيئات، وتُمنح صراحة صفة الممثل الوحيد للمحامين أمام السلطات العمومية المركزية. بهذا التنصيص، يتم سحب جوهر الوظيفة السياسية والتمثيلية من جمعية هيئات المحامين، التي ظلت إلى اليوم تشتغل استنادا إلى شرعية العرف والتراكم التاريخي لا إلى نص قانوني صريح.

الفرق هنا ليس شكليا:

الجمعية: تخضع لظهير الحريات العامة، مجالها الأصلي مدني.

المجلس: مؤسسة مهنية دستورية الوظيفة، منبثقة عن قانون خاص، بتمثيل حصري.

إنه انتقال للسلطة من فضاء العمل النقابي المرن إلى فضاء المؤسسة القانونية الصلبة.

المادة 172… اعتراف ضمني بنهاية مرحلة

قد يبدو لافتا أن المشروع لا ينص صراحة على حل الجمعية، لكنه يفعل ذلك بأسلوب تشريعي أكثر دهاء.
المادة 172 تسند لرئيس جمعية هيئات المحامين مهمة انتقالية وحيدة: الدعوة إلى عقد أول جمعية عامة للمجلس الجديد، وترؤسها مؤقتا.

هذا التنصيص يحمل رسالة سياسية واضحة:

الجمعية ليست شريكا في المستقبل، بل مجرد جسر لعبور المرحلة. فبمجرد انتخاب رئيس مجلس هيئات المحامين، تنتهي الوظيفة، وينتهي معها الدور.

لماذا هذا التحول الآن؟

من زاوية تحليل السياسات العامة، يمكن قراءة هذا التوجه كجزء من: رغبة وزارة العدل في مخاطب مؤسساتي واحد مضبوط قانونا مع تقليص هامش الفعل الاحتجاجي أو السياسي للتمثيليات المهنية وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمهن القضائية ضمن منطق “التدبير” لا “التفاوض”، إنه انتقال من نموذج المهنة كشريك نقدي إلى نموذج المهنة كجسم منظم إداريا.

رد الفعل المتوقع: مقاومة لا مفر منها

بغض النظر عن باقي مقتضيات المشروع …الولوج، التأديب، العلاقة مع المتقاضين، الحكامة المالية…فإن هذا المقتضى بالذات كاف لإشعال مواجهة مؤسساتية، ليس لأن الجمعية في وضع قانوني قوي، بل لأنها: تمثل ذاكرة نضالية للمهنة وتشكل فضاء لتجميع الغضب المهني، وترى في المجلس الجديد بديلا مُفروضا لا متوافقا عليه.

نحن أمام قرار سيادي في ثوب قانوني:
إما القبول بإعادة تشكيل التمثيلية المهنية وفق منطق الدولة، أو فتح جبهة صراع عنوانها: من يمثل المحامين… وبأي شرعية؟

وفي كل الحالات، إذا مر المشروع كما هو، فإن جمعية هيئات المحامين لن تحل بنص، بل ستنهى بالفعل.
والفرق بين الاثنين… مجرد تفصيل تقني في لعبة السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى