الرئيسيةجهات وأقاليم

آسفي: العربات المجرورة بالدواب تعيد المدينة إلى سنوات بائدة

آسفي: مولاي عبد الله الفيلالي 

في مدن مغربية كثيرة، طويت صفحة العربات المجرورة بالدواب أو كادت، في إطار رؤية حضارية جديدة تراعي كرامة الإنسان، وسلامة الحيوان، وجمالية الفضاء العام. غير أن مدينة آسفي، للأسف، ما تزال تشذ عن هذا المسار، إذ تحولت هذه العربات إلى مشهد يومي مألوف، يملأ الشوارع والأزقة، ويثير أكثر من علامة استفهام حول الحكامة المحلية وحدود التدخل العمومي.

القضية هنا ليست مجرد عربة ولا دابة، بل هي صورة مدينة، ونمط عيش، واختبار حقيقي لقدرة السلطة المحلية على التوفيق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. فالمصلحة العامة تفرض مدينة نظيفة، منظمة، آمنة، تحترم شروط السير والجولان، وتنسجم مع التحولات الحضرية التي تعرفها المملكة. أما المصلحة الخاصة، فتتجسد في فئة من المواطنين وجدت في هذه العربات مورد رزق وحيداً، في ظل الهشاشة وندرة البدائل.

السؤال الجوهري إذن: لماذا نجحت مدن أخرى في تدبير هذا الانتقال بهدوء وبحلول عملية، بينما ما تزال آسفي عالقة في مشهد يبدو خارج الزمن؟ هل الأمر مرتبط بضعف المراقبة؟ أم بتردد في اتخاذ القرار؟ أم بغياب رؤية اجتماعية ترافق المنع بالبديل؟ أم أن المدينة، مرة أخرى، تُترك لتدبير أعطابها وحدها، كأنها خارج أولويات السياسات الحضرية؟

استمرار هذه الظاهرة لا يسيء فقط إلى جمالية المدينة وصورتها الحضارية، بل يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالنظافة، والسلامة الطرقية، واستغلال الحيوانات في ظروف قاسية، فضلاً عن الفوضى التي تخلقها عربات لا تخضع لأي تنظيم أو ترقيم أو مراقبة.

وهذا كله يتناقض مع خطاب التنمية، ومع ما ينتظره المواطن من سلطة يفترض أن تكون حاضرة، حازمة، ومنصفة.

المعالجة الجدية لا يمكن أن تكون زجرية صرفة أو قائمة على المنع المجرد. فالتجارب الناجحة أظهرت أن الحل يكمن في مقاربة شمولية: حصر عدد العربات، تأهيل أصحابها، إدماجهم في أنشطة بديلة، دعمهم بعربات مهيكلة أو وسائل نقل حديثة، وفتح برامج مواكبة اجتماعية واقتصادية تحفظ كرامتهم ولا تقطع أرزاقهم بين عشية وضحاها.

آسفي لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن تعامل كمدينة تستحق الاحترام، وأن يُنظر إلى مشاكلها بجدية لا بمنطق التأجيل والتعايش مع الرداءة. الكرة اليوم في ملعب السلطة المحلية، من باشوية المدينة إلى عمالة الإقليم، لإطلاق تدخل واضح، شجاع، ومتدرج، يضع حداً للفوضى دون ظلم، ويعيد للمدينة شيئاً من توازنها وهيبتها وجمالها.

فالمدينة، في النهاية، ليست طرقاً وبنايات فقط، بل كرامة ساكنيها، وصورتها في أعين زوارها، وحقها في أن تكون جزءاً من مغرب يتحرك إلى الأمام… لا مدينة عالقة في الهامش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى