
في حديقة شونيي شمال شرق العاصمة الصينية بكين، تبدو أمسيات الصيف وكأنها امتداد لأجواء كأس العالم. فعلى أرضية ملعب مكسو بالعشب الاصطناعي وتحت الأضواء الكاشفة، ينشغل مراهقون بممارسة كرة القدم، بينما يتبادل المشجعون النقاشات حول نتائج المباريات وأبرز لحظات البطولة. وبين تلك الأحاديث يتردد اسم واحد بشكل لافت: المغرب.
وعلى بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من الرباط، بات المنتخب المغربي من بين أكثر المنتخبات التي تستقطب اهتمام عشاق كرة القدم في الصين خلال النسخة الحالية من المونديال المقامة في أمريكا الشمالية.
وبعد جمعه أربع نقاط من مباراتين، إثر تعادله مع البرازيل بهدف لمثله وفوزه على اسكتلندا بهدف دون رد، اقترب “أسود الأطلس” من حجز بطاقة العبور إلى الدور الثاني، في مسار أعاد إلى الأذهان أصداء الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب في مونديال قطر، وعزز لدى العديد من المشجعين الصينيين القناعة بأن المغرب أصبح رقما صعبا في كرة القدم العالمية.
ويقول وين زي، وهو تلميذ يبلغ من العمر 17 عاما ويهوى ممارسة كرة القدم: “تابعت المباراتين حتى النهاية. أمام البرازيل أثبت المنتخب قدرته على مجاراة أقوى المنتخبات، وأمام اسكتلندا أظهر نضجا تكتيكيا وتحكما كبيرا في مجريات اللقاء. نشعر بأن الفريق تطور كثيرا وأصبح أكثر ثقة”.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، مثل “دوين” و”ويبو” و”شياوهونغشو”، تحظى مقاطع مباريات المنتخب المغربي بانتشار واسع، فيما تتزايد التحليلات والمحتويات الرقمية المخصصة للفريق مع تقدم المنافسات. ويشيد المتابعون بالانضباط التكتيكي للاعبين، والصلابة الدفاعية، والقدرة على الصمود أمام منتخبات توصف بأنها أقوى على الورق.
غير أن الإعجاب بالمغرب لا يرتبط فقط بالنتائج المحققة داخل الملعب.
ويقول لو يانغ، البالغ من العمر 35 عاما ويعمل في شركة تكنولوجية ببكين: “ما يميز المنتخب المغربي هو روح الجماعة. ففي وقت تعتمد فيه منتخبات كثيرة على نجوم بعينهم، يعطي المغرب الانطباع بأن جميع اللاعبين يعملون من أجل هدف واحد. وهذه قيمة تحظى بتقدير كبير لدى الجمهور الصيني”.
ولا يعد هذا الإعجاب وليد اللحظة، إذ تعود بداياته لدى عدد كبير من المشجعين الصينيين إلى كأس العالم 2018 في روسيا. فعلى الرغم من خروج المنتخب المغربي من الدور الأول آنذاك، فإنه ترك انطباعا إيجابيا بفضل أسلوب لعبه وروحه التنافسية. وكان المعلق الرياضي الصيني المعروف شو يانغ قد وصف الكرة المغربية في ذلك الوقت بأنها “متفردة”، وهي عبارة لا تزال حاضرة في نقاشات المشجعين ومنتديات كرة القدم حتى اليوم.
وبعد ثماني سنوات، يرى كثيرون أن المنتخب المغربي ظل وفيا لهويته القائمة على الالتزام والعطاء والقدرة على منافسة الكبار.
كما ترك الإنجاز التاريخي الذي حققه المغرب في مونديال قطر 2022 أثرا عميقا لدى الجماهير الصينية، بعدما أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. وقد أثارت الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال موجة إعجاب واسعة في بلد يتابع فيه كثير من عشاق كرة القدم المنتخبات الأجنبية بحثا عن قصص نجاح ملهمة.
واليوم، لم يعد الاهتمام بالمغرب مرتبطا فقط بذكريات قطر، بل أصبح قائما على قدرة المنتخب على الحفاظ على مستواه وتأكيد حضوره بين نخبة المنتخبات العالمية.
وبالنسبة للعديد من المشجعين الصينيين، تتجاوز قصة المنتخب المغربي حدود النجاح الرياضي. فالجمهور يثمن قيم التضامن والانضباط وروح الفريق التي يظهرها اللاعبون داخل الملعب، وهي قيم تتقاطع مع مفاهيم راسخة في الثقافة الصينية تقوم على العمل الجماعي والانتماء للمجموعة.
كما يثير إعجاب المتابعين اختيار عدد من اللاعبين المغاربة، الذين ولدوا أو نشأوا في أوروبا، تمثيل بلدهم الأصلي رغم توفر خيارات أخرى أمامهم. ويقول وين زي: “هذا النوع من الوفاء يحظى باحترام كبير. كان بإمكان هؤلاء اللاعبين اتخاذ مسارات مختلفة، لكنهم اختاروا الدفاع عن ألوان المغرب، وهو ما يعكس ارتباطا قويا بالجذور”.
ويرى كثير من المتابعين أن هذا الخيار يجسد قيما تتجاوز الرياضة، مثل الولاء والانتماء وتحمل المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع. كما لا تزال صور اللاعبين المغاربة وهم يحتفلون مع أمهاتهم خلال مونديال قطر تحظى بانتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها تعبيرا عن قيم إنسانية عالمية مثل احترام الوالدين والتواضع والارتباط بالأسرة.
ومع مواصلة المنتخب المغربي مشواره في أمريكا الشمالية، يزداد اقتناع العديد من المشجعين بأن ما تحقق في قطر لم يكن مجرد مفاجأة عابرة. ويقول لو يانغ مبتسما: “في قطر تحدث البعض عن مفاجأة، أما اليوم فالمغرب يثبت أنه أصبح منتخبا كبيرا بكل المقاييس”.
وفي بلد لا يزال الشغف بكرة القدم حاضرا بقوة رغم التحديات التي تواجه المنتخب الصيني، نجح “أسود الأطلس” في تحقيق ما هو أبعد من النتائج الرياضية، إذ تحولوا إلى نموذج يحظى بالتقدير والإعجاب المستمرين.
وفي حديقة شونيي، ومع انتهاء المباريات ومغادرة اللاعبين أرضية الملعب، تستمر النقاشات بين المشجعين. ورغم فارق التوقيت الكبير، يستعد كثيرون في بكين للسهر مجددا لمتابعة المباراة المقبلة للمنتخب المغربي، إيمانا منهم بأن قصة “أسود الأطلس” ما تزال تحمل فصولا جديدة تستحق المتابعة.
و.م.ع




