
أكد الأكاديمي الشرقاوي الروداني أن الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء غرفتي البرلمان يؤسس لمعادلة جديدة للقوة، تقوم على تحويل الاستثمارات إلى حركية اجتماعية، والجهوية إلى رافعة لاتخاذ القرار، والشراكات الدولية إلى علاقات قائمة على السيادة والاحترام المتبادل.
وأوضح الروداني، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذه المعادلة ترسم ملامح المرحلة المقبلة من مسار التنمية بالمملكة، من خلال الانتقال من بناء عناصر القوة إلى توظيفها بشكل فعلي ومشترك، بما يعزز أثرها الاقتصادي والاجتماعي ويكرس الاعتراف بمكانة المغرب.
وأضاف أن عقدين من الاستثمارات المهيكلة والتوسع الصناعي وتطوير البنيات التحتية أفرزت تحولات مهمة، غير أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في ضمان انعكاس هذه المكتسبات على حياة المواطنين، وتحويل الثروة المنتجة إلى فرص للشغل ومداخيل وآفاق أوسع للارتقاء الاجتماعي.
واعتبر الأكاديمي أن التوفيق بين الإقلاع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية يقتضي الانتقال نحو نموذج تنموي يجعل من الاستثمار رافعة لتحسين ظروف العيش وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي، مشيراً إلى أن تمكين الشباب لم يعد مجرد أولوية اجتماعية، بل أصبح عنصراً أساسياً في تعزيز الأمن الاقتصادي الوطني.
وفي هذا السياق، حذر الروداني من أن استمرار الاستثمار دون توفير فرص كافية للخريجين قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين مؤشرات التقدم الاقتصادي المحققة على المستوى الوطني ومدى انعكاسها على حياة الأفراد. وشدد على أهمية تعزيز الطبقة المتوسطة باعتبارها ركيزة للاستقرار الاجتماعي وترسيخ الثقة في المؤسسات.
وبخصوص السيادة الاقتصادية، أوضح المتحدث أن الدعوة الملكية إلى بلورة استراتيجيات جديدة في مجالات الماء والطاقة والغذاء والصناعة والتكنولوجيا تعكس توجهاً نحو توسيع مفهوم السيادة الوطنية، بما يتجاوز أبعادها التقليدية إلى تعزيز القدرة على الإنتاج ومواجهة الاضطرابات الخارجية.
وأضاف أن التحولات الجيو-اقتصادية، وما يصاحبها من تجزئة لسلاسل التوريد، تجعل أمن الدول مرتبطاً بقدرتها على التحكم في نقاط الضعف الاستراتيجية، وهو ما يستدعي، بحسبه، تطوير القدرات الصناعية، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتمكين القطاع الخاص من تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة مستدامة.
وعلى المستوى الترابي، توقف الروداني عند تأكيد الخطاب الملكي ضرورة تسريع تنزيل ورش اللاتمركز الإداري، معتبراً أن استمرار بطء الإدارة قد يحد من أثر التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تعرفها المملكة.
وأشار إلى أن تجاوز هذا التحدي يتطلب تعزيز التنسيق بين المؤسسات، والانتقال من جهوية يغلب عليها الطابع الإداري إلى جهوية منتجة، تصبح فيها الجهات فضاءات فعلية لاتخاذ القرار وخلق الثروة واستثمار الإمكانات المحلية.
أما على المستوى الجيوسياسي، فاعتبر الأكاديمي أن الخطاب الملكي قدم توضيحات بشأن أسس العلاقات مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، من خلال التأكيد على أن التعاون في مجال الهجرة يندرج ضمن خيارات المغرب السيادية، ولا يمكن فصله عن احترام مصالحه الاستراتيجية.
وأوضح أن هذا التوجه يعكس رغبة المملكة في إرساء شراكات متوازنة، لا تقتصر على التعاون الأمني، بل تشمل أيضاً الاعتراف المتبادل بالمصالح وتقاسم المسؤوليات، بما يضمن استدامة العلاقات بين الطرفين.
وفي هذا الإطار، أبرز الروداني أهمية الوثيقة الاستراتيجية التي أعلن المغرب عزمه تقديمها إلى شركائه، معتبراً أنها يمكن أن تفتح المجال أمام تطوير نموذج للتعاون يقوم على التنمية المشتركة وتعزيز التنافسية وتقاسم المسؤوليات، عوض الاقتصار على التدبير الأمني لملف الهجرة.
وخلص الأكاديمي إلى أن الرهان الأساسي الذي يطرحه الخطاب الملكي يتمثل في تحويل المكتسبات الاقتصادية والمؤسساتية والدبلوماسية إلى نتائج ملموسة، من خلال تعزيز الإدماج الاجتماعي، وتقوية دور الجهات، وترسيخ السيادة الإنتاجية، وتطوير شراكات دولية أكثر توازناً.




