
تعد الدراسة التي أفرجت عنها مؤخرا اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات والوسائط التعليمية بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، مثالا صارخا على الفجوة العميقة بين كلفة الدراسات الرسمية وبين بساطة مخرجاتها التي لا تعدو كونها تحصيلا للحاصل في وجدان كل ممارس تربوي، فهذه اللجنة التي كلفت الخزينة العامة مبالغ طائلة وصرفت تعويضات مهمة، ومعروفة لدى هيئة التفتيش والمراقبة التربوية منذ سنوات.
بل إن كل مدرس في حجرة دراسية نائية كان بإمكانه صياغة هذه الخلاصات دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة أو لجان فوقية، إن الحديث عن عراء الهشاشات المؤسساتية وعن مركزية القرار التي تحد من الاستجابة هو توصيف لواقع بئيس يعيشه الفاعلون في الميدان يوميا، ولم يكن الميدان التربوي في حاجة إلى دراسة أكاديمية ليعرف أن المنظومة التربوية تعاني من ضعف التخطيط الميكروي أو غياب أنظمة الاستمرارية البيداغوجية.
إن المفتش التربوي الذي يعد الحلقة الوصل بين التوجيهات الرسمية والممارسة الصفية يمتلك من الحرفية العالية والعقلانية والواقعية ما يؤهله لتقديم هذه التشخيصات كجزء من مهامه الوظيفية الاعتيادية ، إذ كان كافيا جدا تكليف أطر المراقبة والتأطير بهذه الدراسة وهم الأقرب للميدان والأكثر دراية بتفاصيل التعثرات التي كشفتها الأزمات المتعاقبة كجائحة كورونا وزلزال الحوز، خصوصا وأن هناك رصيدا ضخما من الأرشيف التربوي المتمثل في التقارير المركبة إقليميا وجهويا، وهو أرشيف أسهم فيه جميع الأطر التربوية من مفتشين ومديرين وأساتذة، وكان كافيا جدا استثماره وتحليل معطياته الغنية لتقديم صورة أصدق وأعمق من أي بحث ميداني ظرفي، فهذا التراكم المعرفي يوثق بدقة نقاط الضعف والقوة في كل إقليم وجهة، ويغني عن هدر الزمن والمال في إعادة اختراع العجلة.
إن المناهج التي وصفتها الدراسة بأنها غير مرنة وغير ملائمة لسياقات الأزمات هي حقيقة يرفع المفتشون بشأنها تقارير دورية منذ عقود، لكن الصوت الميداني يظل خافتا أمام صخب اللجان التي تستهلك المال لتعيد إنتاج نفس الخطاب التشخيصي.
كما أن الحديث عن غياب رؤية واضحة للتعليم الهجين وتفاوت الولوج للوسائل الرقمية بين الجهات هو واقع مرئي بالعين المجردة لا يحتاج لمقابلات ميدانية معقدة أو عينات إحصائية من جهات الرباط وطنجة وبني ملال ومراكش لتأكيده، إن الهدر الحقيقي هنا ليس فقط في الأموال التي صرفت كتعويضات، بل في هدر الكفاءة الوطنية المتمثلة في هيئة التفتيش التي تم تهميش دورها الاستشاري والخبراتي لصالح لجان إدارية تعيد صياغة البديهيات بلغة منمقة، فبينما تتحدث الدراسة عن مستويات الصمود الاستيعابي والتكيفي والتحويلي، يجد المدرس نفسه وحيدا في مواجهة تداعيات الأزمات دون أدوات حقيقية.
إن الصمود الذي تنشده الدراسة لا يبنى بالتقارير المكلفة بل بتمكين الأطر التي تشتغل في الميدان وبتثمين تقارير المفتشين التي تتضمن حلولا عملية وتوصيات ناجعة نابعة من صلب المعاناة اليومية، وبدلا من صرف الملايين على تشخيص الداء الذي يعرفه الجميع، كان الأحرى استثمار تلك الموارد في معالجة الهشاشة الرقمية وتطوير البنى التحتية المتهالكة التي عرتها الأزمات، إن هذه المفارقة بين التعويضات الخيالية والنتائج المكررة تضع مصداقية المجالس العليا على المحك، وتؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بخبرة أهل الدار وبذاكرة المؤسسة المخزنة في تقارير أطرها، لا بالاستقواء بلجان تنظر للمدرسة من أبراج عاجية، وفي نهاية المطاف تظل مخرجات هذه الدراسة الرسمية بمثابة صدى متأخر لصوت الميدان الذي بح وهو يطالب بالمرونة والاستقلالية والعدالة المجالية، وهو ما يعزز القناعة بأن تكليف المفتشين بهذه المهام كان سيوفر على المغاربة كلفة مالية باهظة ويقدم حلولا أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.




