الرئيسيةكتاب الرأيوطني

الاقتصاد المغربي وزلزال هرمز: السيادة الطاقية والبدائل المتجددة: طوق نجاة المملكة

مولاي عبد الله الفيلالي 

تواجه الميزانية العامة للمملكة المغربية لسنة 2026 اختبارا عسيرا يضع فرضياتها المتفائلة في مهب الريح، وذلك على خلفية التصعيد العسكري والتوترات الجيوسياسية المتسارعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

هذا الصراع الذي بلغت ذروته منذ نهاية فبراير الماضي لم يعد مجرد نزاع إقليمي بعيد، بل تحول إلى عامل ضغط مباشر على التوازنات المالية للرباط، حيث يهدد مباشرة استقرار إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الحيوي الذي يمر منه نحو 20% من النفط العالمي.

ومع اعتماد قانون المالية الحالي على سعر مرجعي لبرميل النفط في حدود 65 دولارا وتوقعات نمو تصل إلى 4.5%، يبدو أن الهوة تتسع بين الأرقام المسطرة والواقع الميداني.

تشير التوقعات في حال انفجار نزاع شامل إلى قفزات جنونية قد تتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، ما سيؤدي حتما إلى استنزاف الاحتياطيات من العملة الصعبة وتعميق عجز الميزانية بشكل غير مسبوق، خاصة مع قفز أسعار التأمين على ناقلات النفط إلى مستويات قياسية بلغت 3% من قيمة الناقلة.

إن الارتباط العضوي للاقتصاد المغربي بالأسواق الدولية للمحروقات يجعل المملكة في قلب العاصفة، وهو ما يفرض على صناع القرار بالرباط تفعيل خطط طوارئ اقتصادية تتجاوز الحلول الترقيعية.

وتتراوح الخيارات المطروحة بين سيناريوهات قاسية تفرض إعادة ترتيب الأولويات الوطنية عبر تجميد مشاريع ضخمة غير مستعجلة، وبين ضرورة الحسم في ملفات استراتيجية مؤجلة كإعادة تشغيل محطة التكرير “لاسمير” لتعزيز السيادة الطاقية وتكوين مخزون استراتيجي يحمي السوق المحلي من الصدمات الفجائية.

وفي وسط هذه التحديات، يبرز خيار تسريع وتيرة الانتقال الطاقي نحو البدائل المتجددة كأداة استراتيجية لفك الارتباط بتقلبات الأسواق العالمية، حيث يثبت الوضع الراهن أن الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية بات ضرورة أمنية قومية لتقليص الارتهان للخارج وضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.

وعند المقارنة بين أزمة عام 2022 الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية والأزمة الحالية لعام 2026، يتضح مدى تطور “عضلة” الاقتصاد المغربي وقدرته على امتصاص الصدمات. فبينما دخل المغرب أزمة 2022 وهو يعاني من تبعات جائحة كورونا وضعف سلاسل التوريد، يأتي عام 2026 والمملكة تستفيد من تراكم الخبرات في تدبير الأزمات وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية وتطوير آليات الدعم الموجه.

كما أن مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي الوطني قد حققت قفزة نوعية في 2026 مقارنة بما كانت عليه قبل أربعة أعوام، مما قلل نسبيا من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. هذا التحول الهيكلي منح الميزانية العامة نوعا من “المرونة الوقائية” التي تجعل رد الفعل المؤسساتي اليوم أكثر تماسكا وسرعة في التنفيذ، رغم استمرار التحدي اللوجستي المرتبط بتكاليف الشحن والتأمين البحري.

يظل المغرب أمام اختبار حقيقي لقدرة اقتصاده على الصمود أمام صدمات خارجية متلاحقة، حيث لم يعد كافيا انتظار انجلاء الغيوم الجيوسياسية بل لا بد من التحرك الاستباقي لتحصين الجبهة الداخلية.

إن قانون المالية لسنة 2026 يجب أن يمتلك القدرة على التكيف مع “اقتصاد الحرب” عبر رؤية استراتيجية واضحة تتجاوز الحلول الظرفية، وتؤسس لنموذج تنموي يعتمد على التخزين والإنتاج المحلي والابتكار الطاقي كدرع واق ضد المجهول. إن الصمود في وجه هذه العاصفة الإقليمية لن يكون ممكنا إلا بتضافر جهود الدولة والقطاع الخاص، والتركيز على بناء منظومة اقتصادية مقاومة للهزات قادرة على تحويل الأزمات إلى محطات للانطلاق نحو استقلال اقتصادي حقيقي وشامل يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويضمن استدامة التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى