الرئيسيةمجتمعوطني

التامك يراهن على القوة الناعمة بإطلاق برنامج المحاضرات العلمية كركيزة للأمن الروحي

تجسد الانطلاقة الجديدة لبرنامج المحاضرات العلمية بالسجن المحلي بسلا، التي تشرف عليها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بتعاون مع مركز مصالحة، اليوم الاثنين، تحولا جوهريا في فلسفة العقاب والإصلاح بالمغرب، حيث لم يعد الحيز السجني مجرد فضاء لتقييد الحرية، بل تحول إلى مختبر فكري لإعادة بناء الهوية وتصحيح المسارات الفكرية لنزلاء قضايا التطرف والإرهاب.

إن حضور الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء ورئيس مركز مصالحة، رفقة نخبة من الأكاديميين، يعكس ثقلا مؤسساتيا يراهن على القوة الناعمة وسلطة المعرفة في مواجهة الانغلاق والتشدد، بعيدا عن المقاربات الزجرية التقليدية.

وفي هذا الصدد يرى مختصون في قضايا الإرهاب والتطرف أن هذه المبادرة في جوهرها، ترسخ مفهوم الأمن الروحي وتحصن العقل، وهي زاوية معالجة تمنح النزلاء أدوات معرفية لفك الارتباط الطوعي بالفكر المتطرف، من خلال غرس قيم الاعتدال والتسامح.

وجدير بالذكر أن النجاح المسجل في النسخة السابقة، التي استهدفت 345 نزيلا، كان بمثابة الضوء الأخضر للمضي قدما نحو مأسسة هذا الحوار الفكري، فالهدف هنا ليس مجرد قضاء فترة العقوبة، بل ضمان عودة آمنة ومثمرة للمجتمع تمنع العود وتجفف منابع الغلو، عبر تعزيز التفكير النقدي وتصحيح المفاهيم الدينية التي جرى تحريفها لخدمة أجندات العنف.

وفي هذا السياق أفاد مصدر عليم أن ما يميز البرنامج هو اعتماده على آليات تفاعلية تتجاوز التلقين العمودي، حيث تفتح ورشات النقاش العلمي التي تمتد لثلاثة أيام آفاقا للتساؤل والمراجعة الذاتية، مما يسمح للنزلاء بالمشاركة الفعالة في صياغة قناعاتهم الجديدة.

مع انطلاق الدورة الأولى بمشاركة 40 نزيلا بسلا، يتضح أن المخطط الزمني المسطر لعام كامل، والذي يشمل 13 دورة إضافية في مختلف ربوع المملكة، يعكس إرادة حقيقية لتعميم هذا النموذج الإصلاحي الرائد، وجعله ركيزة ثابتة في منظومة السجون المغربية التي باتت نموذجا يحتذى به في الموازنة بين مقتضيات الأمن وحقوق التأهيل الفكري.
ويؤكد مركز مصالحة وشركاؤه من خلال هذا الاستمرار المنهجي التزامهم بمبدأ الوقاية الاستباقية، حيث يسهم البرنامج في خلق مناخ من السلم المجتمعي يبدأ من خلف الأسوار، إنها رحلة من الظلمة الفكرية إلى رحابة الاعتدال، تقودها مؤسسات وطنية تعي جيدا أن الانتصار الحقيقي على التطرف يبدأ بتفكيك بنيته الذهنية، وترسيخ ثقافة الحوار كبديل وحيد لغة الصدام، وهو ما ينسجم تماما مع التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى حماية الأمن الفكري للمملكة المغربية وتعزيز قيم العيش المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى