
تُعدّ ظاهرة التسول داخل وسائل النقل العمومي، خاصة الحافلات، من القضايا الاجتماعية التي باتت تثير قلقاً متزايداً لدى المواطنين، ليس فقط بسبب انتشارها، بل أيضاً بسبب بعض السلوكيات التي ترافقها في عدد من الحالات وتخرج عن إطار الاحترام واللباقة.
ففي الوقت الذي يكتفي فيه بعض المتسولين بطلب المساعدة بشكل مهذب، برزت فئة أخرى تعتمد أساليب عنفوية وغير لائقة، تتجاوز حدود التعامل الحضاري داخل فضاء عمومي مشترك. ومن بين هذه السلوكيات، الاقتراب المفرط من الركاب، ومدّ الأيدي عليهم بشكل مباشر، أو وضع سلع للبيع فوق أرجل الجالسين، وهو ما يُسجل بشكل خاص في صفوف النساء، في تصرف يفتقر لأبسط قواعد الاحترام.
وتصل هذه الممارسات أحياناً إلى حدود المضايقة أو ما يشبه التحرش غير المباشر، خاصة عندما يتم لمس الركاب دون إذن، أو الإلحاح بطريقة تضعهم في مواقف محرجة، وهو ما يخلق شعوراً بعدم الأمان داخل الحافلات، ويؤثر سلباً على تجربة التنقل اليومي. فالمرأة، على وجه الخصوص، تصبح أكثر عرضة لهذه التصرفات التي تمسّ بكرامتها وراحتها.
ورغم أن الفقر والهشاشة الاجتماعية والبطالة تظل من أبرز العوامل التي تدفع البعض إلى التسول، فإن ذلك لا يمكن أن يبرر بأي شكل من الأشكال انتهاك حرمة الآخرين أو فرض سلوكيات غير مقبولة داخل وسائل النقل. فالتعاطف الإنساني لا يعني القبول بالتجاوزات أو التغاضي عن الأفعال التي تمسّ بحقوق الركاب.
كما أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل مباشر على صورة النقل العمومي، وتطرح تحديات حقيقية أمام الجهات المسؤولة وشركات النقل، التي أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتوفير بيئة آمنة ومريحة لمستعملي الحافلات، قائمة على الاحترام المتبادل والانضباط.
ومن هنا، تبرز ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة، تجمع بين البعد الاجتماعي والجانب التنظيمي، من خلال تعزيز المراقبة داخل الحافلات، وتفعيل إجراءات تمنع هذه الممارسات، مع العمل في الوقت نفسه على إدماج الفئات الهشة وتوفير بدائل تحفظ كرامتهم.
ويبقى من الضروري توجيه نداء صريح إلى الجهات المسؤولة من أجل وضع حدّ لهذه الظاهرة التي تجاوزت حدودها، ولم تعد مجرد تسول عابر، بل تحولت في بعض الحالات إلى مصدر إزعاج ومساس بكرامة الركاب، خاصة النساء. إن السماح لهؤلاء بالصعود إلى الحافلات دون مراقبة يفتح الباب أمام سلوكيات غير مقبولة، من مضايقات ولمس غير لائق وفرض واقع مزعج على مستعملي النقل العمومي.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو تدخل حازم يمنع هذه الممارسات، عبر تشديد المراقبة داخل الحافلات، وعدم السماح لأي شخص باستغلال هذا الفضاء العمومي لمضايقة الركاب أو انتهاك خصوصيتهم، مع العمل في الوقت نفسه على إيجاد حلول إنسانية بديلة تحفظ كرامة الجميع.




