
يفرض تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة من أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، تحديًا يتمثل في بلورة برنامج حكومي مشترك يعكس التوافق بين مكوناتها، بدل الاكتفاء بتجميع الوعود الانتخابية أو اعتماد برنامج حزب واحد مرجعية وحيدة للعمل الحكومي، في ظل القيادة المرتقبة لفاطمة الزهراء المنصوري.
ويضع هذا التوجه الأحزاب المعنية أمام اختبار تحويل تقاربها السياسي إلى التزامات واضحة بشأن أولويات المرحلة المقبلة، مع إيجاد صيغة توافقية بشأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والاختيارات المالية، بما يضمن الانسجام داخل الأغلبية وقدرتها على تنفيذ تعهداتها.
ولا يقتصر التحدي على التوفيق بين البرامج الانتخابية، بل يمتد إلى تحديد موقع الأوراش الوطنية القائمة ضمن التصور الحكومي الجديد، وتقييم ما تحقق منها، ورصد الاختلالات التي ما تزال تتطلب تدخلًا حكوميًا عاجلًا. وفي مقدمة هذه الملفات إصلاح قطاعي الصحة والتعليم، وتعزيز فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية للأسر، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب تحفيز الاستثمار ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما تفرض قضايا الأمن المائي والطاقي والسيادة الغذائية نفسها ضمن أولويات المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ويقتضي التعامل مع هذه الملفات اعتماد سياسات عمومية مستدامة، مدعومة بموارد مالية واضحة وآليات للتتبع والتقييم، بما يسمح بقياس النتائج وتحديد المسؤوليات عن تنفيذ الالتزامات.
وفي هذا السياق، سيكون على الحكومة المقبلة تحديد طبيعة العلاقة بين برنامجها الجديد والأوراش التي أطلقتها الدولة، من خلال مواصلة المشاريع التي أثبتت نجاعتها، وإعادة تقييم البرامج التي تستدعي المراجعة، مع تفادي تضارب الالتزامات الجديدة مع المشاريع الجارية. كما يتطلب الأمر ترتيب الأولويات وفق درجة استعجالها وانعكاساتها المباشرة على المواطنين، وتحديد آجال الإنجاز ومصادر التمويل ومؤشرات قياس الأداء.
وتبرز، في هذا الإطار، ملفات الإصلاح الضريبي والدعم الاجتماعي وتحفيز التشغيل وتمويل النفقات العمومية باعتبارها من القضايا التي تستدعي توافقًا بين مكونات الأغلبية، بالنظر إلى تأثيرها على التوازنات المالية وعلى قدرة الحكومة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
وفي موازاة ذلك، يشكل تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أحد أبرز الرهانات التي يتعين أن تحضر في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير البنيات التحتية، وتحديث شبكات النقل والمطارات، وتأهيل الملاعب ومرافق الإيواء، وتحسين الخدمات الحضرية.
ولا يقتصر هذا الاستحقاق على الوفاء بالمتطلبات التنظيمية للبطولة، بل يطرح أيضًا تحدي تحويل الاستثمارات المرتبطة بها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل، من خلال تحسين جودة الخدمات، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمار، وتطوير التجهيزات الأساسية بما يستجيب لحاجيات المواطنين بعد انتهاء المنافسات.
ويستدعي هذا الرهان تنسيقًا مؤسساتيًا محكمًا، وتعاونًا مع الشريكين الإيبيريين في الجوانب التنظيمية واللوجستية، إلى جانب اعتماد رؤية تضمن التكامل بين المشاريع المرتبطة بالمونديال وأهداف التنمية المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات.
كما يفرض حجم الإنفاق المرتقب تحقيق توازن بين تسريع إنجاز المنشآت الكبرى والحفاظ على تمويل القطاعات الاجتماعية والخدمات الأساسية، تفاديًا لاتساع الفجوة بين المناطق المستفيدة من الاستثمارات الكبرى وتلك التي ما تزال تواجه خصاصًا في التجهيزات والبنيات الضرورية.
ومن ثم، يتعين أن يحدد البرنامج الحكومي كيفية تعبئة التمويلات، وتوزيع المسؤوليات بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص، إلى جانب وضع مؤشرات واضحة لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وضمان استمرارية الاستفادة منها بعد سنة 2030.
وبين متطلبات التوافق السياسي وتراكم الأوراش المفتوحة والاستعداد للمونديال، ستواجه الأغلبية المقبلة اختبارًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على تماسكها الداخلي من جهة، والوفاء بالالتزامات التنموية والاجتماعية من جهة أخرى. وهو ما يجعل صياغة برنامج مشترك، قائم على أولويات محددة وقابل للتنفيذ والتقييم، خطوة أساسية لتجاوز مرحلة الوعود الانتخابية نحو تدبير حكومي يستجيب لانتظارات المواطنين.
وإلى حين الإعلان عن البرنامج الحكومي المشترك وتحديد تفاصيله، ستظل قدرة مكونات الأغلبية على تجاوز اختلافاتها بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، والتوفيق بين متطلبات التمويل والاستثمار والأولويات الاجتماعية، من أبرز العوامل التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة ومدى نجاحها في الجمع بين استمرارية الأوراش الوطنية والاستعداد لاستحقاق 2030.




