
لا تزال البنايات الآيلة للسقوط تشكل أحد أبرز تحديات السلامة العمرانية في الرباط وعدد من المدن المغربية، في ظل استمرار وجود أحياء قديمة تضم بنايات متقادمة وهشة، خصوصاً بالمدينة العتيقة والعكاري والأوداية ويعقوب المنصور وأحياء أخرى.
ومع توالي حوادث الانهيار، عاد ملف هذه البنايات إلى الواجهة، ليطرح تساؤلات حول مدى نجاعة التدخلات المعتمدة، وما إذا كان تشخيص المباني الخطرة وإدراجها ضمن اللوائح كافياً، أم أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التصنيف.
ولا تقتصر خطورة هذه البنايات على وضعها الهندسي، بل تمتد بشكل مباشر إلى سلامة السكان والمارة والممتلكات، في وقت تتداخل فيه مجموعة من العوامل التي تجعل معالجة الملف أكثر تعقيداً، من بينها طبيعة الملكية، وتعدد المتدخلين، وارتفاع تكاليف الترميم، فضلاً عن صعوبة إفراغ بعض المباني دون توفير بدائل للسكان.
وتكشف آخر المعطيات الرسمية المتاحة عن حجم لافت لهذه الظاهرة على المستوى الوطني، بعدما تم إحصاء 53 ألفاً و728 بناية آيلة للسقوط، وفق أرقام قدمها أديب بنبراهيم، الوزير المنتدب المكلف بالإسكان، خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين.
وبحسب المعطيات ذاتها، خضعت حوالي 28 ألف بناية للخبرة التقنية، فيما تمت إحالة التقارير المتعلقة بالمباني التي تستدعي تدخلاً استعجالياً على الجهات المختصة، قصد تحديد درجة الخطورة واتخاذ الإجراءات المناسبة.
وعلى مستوى جهة الرباط-سلا-القنيطرة، أظهرت عمليات التشخيص السابقة وجود 5385 بناية آيلة للسقوط، من بينها 4181 بناية مصنفة في وضعية خطر، و1126 بناية مهددة، و78 بناية في وضعية تدهور.
وأعلنت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان أن عملية الجرد شملت الجهة بشكل كامل، ضمن منظومة تستهدف تحديد وتصنيف المباني وفق درجة الخطورة، بالتوازي مع تطوير نظام معلومات جغرافي للرصد والمراقبة.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تثير إشكالية الانتقال من مرحلة الإحصاء والتشخيص إلى التدخل الميداني، خصوصاً بالنسبة إلى البنايات المصنفة ضمن المباني الخطرة والتي تتطلب إجراءات عاجلة.
وكان حي العكاري بالرباط قد شهد في 4 يناير 2026 أحد أخطر حوادث انهيار المباني خلال الفترة الأخيرة، بعدما انهار منزل، ما أسفر عن وفاة شخصين وإصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، وفق معطيات أوردتها تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر حقوقية ومحلية.
وأعاد الحادث تسليط الضوء على وضعية البنايات القديمة بالحي، خصوصاً بعدما أشارت تقارير حقوقية إلى أن المنزل المنهار كان مدرجاً ضمن البنايات الآيلة للسقوط خلال عمليات سابقة.
كما تحدثت معطيات مرتبطة بتصميم التهيئة الذي نوقش سنة 2024 عن وجود أكثر من مائة بناية مهددة بالانهيار في العكاري، غير أن هذه الأرقام تظل، في غياب نشر رسمي محين وشامل، بحاجة إلى تمييزها عن الإحصاء النهائي للبنايات المصنفة في المدينة.
ولم يكن حادث العكاري معزولاً عن واقع النسيج العمراني للعاصمة، إذ سبق أن سجلت الرباط حوادث انهيار أخرى، خاصة خلال فترات التساقطات المطرية القوية، التي قد تزيد من هشاشة المباني القديمة وتكشف اختلالات محتملة في بنيتها الإنشائية أو شبكات التصريف والعزل.
وعقب حادث العكاري، عاد النقاش حول مدى فعالية آليات رصد البنايات المهددة، بعدما أشار تقرير حقوقي إلى أن المنزل المنهار كان قد أدرج ضمن المنازل الآيلة للسقوط سنة 2024، كما تحدث عن توثيق أكثر من مائة بناية مهددة بالانهيار في الحي ضمن معطيات مرتبطة بعرض تصميم التهيئة في دجنبر من السنة نفسها.
كما أثيرت المسألة داخل المجلس الجماعي للرباط، خصوصاً بشأن توفر الجماعة على لوائح للمنازل الآيلة للسقوط والمراسلات الموجهة إلى بعض السكان، مقابل استمرار التساؤلات حول مدى كفاية الإجراءات العملية المتخذة لتفادي وقوع مآس جديدة.
وتكشف هذه النقاشات عن واحدة من أعقد حلقات الملف، إذ إن إدراج البناية ضمن لائحة الخطر لا يعني بالضرورة إزالة الخطر بشكل فوري، حيث قد تتطلب المعالجة خبرات إضافية، أو أشغال تدعيم وترميم مكلفة، أو إفراغ السكان وإعادة إسكانهم، أو اللجوء إلى الهدم وإعادة البناء.
ويؤطر القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وعمليات التجديد العقاري مختلف مراحل التدخل، إذ يعرف البناية الآيلة للسقوط بأنها تلك التي يمكن أن يؤدي انهيارها الكلي أو الجزئي إلى المساس بسلامة شاغليها أو مستغليها أو المارة أو البنايات المجاورة.
كما يشمل التعريف المباني التي لم تعد تتوفر فيها ضمانات المتانة الضرورية نتيجة اختلالات في مكوناتها الأساسية أو بسبب تشييدها على أرض معرضة للمخاطر.
ويحمل القانون مالكي المباني الآيلة للسقوط مسؤولية صيانتها، كما يرتب عليهم مسؤولية الأضرار التي قد تنتج عن انهيارها أو تهدمها الجزئي عندما يكون ذلك ناتجاً عن عيوب في البناء أو انعدام الصيانة أو التلاشي.
ويلزم المشرع مالك أو مستغل البناية باتخاذ التدابير الضرورية والاستعجالية لدفع الخطر، إلى جانب تجديدها وصيانتها وإعادة تأهيلها بما يضمن سلامتها وسلامة محيطها.
في المقابل، يضطلع رئيس الجماعة بدور محوري في تفعيل الإجراءات، بعد توصله بتقرير مكتوب من اللجنة الإقليمية أو المراقبين، واتخاذ القرار المناسب بشأن العمليات الواجب إنجازها وتحديد آجال تنفيذها.
كما يمكن أن يتضمن القرار منع الولوج إلى المبنى بشكل مؤقت أو نهائي، بينما تتيح النصوص القانونية سلوك مسطرة استعجالية عندما يشكل المبنى خطراً على شاغليه أو المارة.
ولا يقتصر التعامل مع المباني المهددة بالانهيار على خيار الهدم، بل يشمل، بحسب نتائج الخبرة ودرجة الخطورة، التدعيم والتقوية والترميم والإفراغ المؤقت أو النهائي والتعويض وإعادة الإسكان، وصولاً إلى الهدم وإعادة البناء.
وفي أبريل 2026، أوضح كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بنبراهيم، أن القرارات المتعلقة بالبنايات الآيلة للسقوط تتخذ على مستوى اللجنة الإقليمية المختصة، مشيراً أيضاً إلى إمكانية تدخل وكالات التجديد الحضري للصيانة عندما يعجز المالكون عن إنجاز الأشغال، مع استرجاع المصاريف وفق المساطر القانونية المعمول بها.
كما تعمل الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط على تطوير منظومة للرصد والمراقبة وتنسيق تدخلات مختلف الجهات المتدخلة.
وفي سنة 2026، عاد الملف إلى الواجهة أيضاً من بوابة حي اليوسفية بالرباط، حيث باشرت مصالح مختصة عمليات إحصاء وتقييم ميداني لوضعية المباني والسكان.
وأثارت العملية مخاوف لدى بعض السكان من ارتباطها بعمليات هدم أو ترحيل، غير أن المعطيات الرسمية والمحلية المتداولة أكدت أن عملية الإحصاء تدخل في إطار التشخيص ولا تشكل في حد ذاتها قراراً بالهدم.
وفي فبراير 2026، أثير داخل المجلس الجماعي للرباط جدل آخر بشأن طريقة التعامل مع شكايات مرتبطة بمنازل آيلة للسقوط، وسط انتقادات بشأن تفاوت سرعة التجاوب مع الملفات المعروضة.
وتواجه سلطات الرباط معادلة دقيقة تتمثل في كيفية حماية الأرواح دون الإضرار بالنسيج العمراني والتاريخي والاجتماعي للعاصمة. فجزء من المباني المهددة يوجد داخل أحياء عتيقة تحمل قيمة تراثية، بينما ترتبط مبانٍ أخرى بأسر محدودة الدخل قد لا تستطيع تحمل تكاليف الإصلاح أو الانتقال إلى مسكن بديل.
وتزداد الصعوبة عندما تكون البناية مملوكة بشكل مشترك أو عندما تتعدد الأطراف المالكة، وهو ما قد يؤخر اتخاذ القرار وتنفيذ الأشغال، في وقت لا ينتظر فيه خطر الانهيار انتهاء التعقيدات الإدارية والقانونية.
كما أن إفراغ السكان من منزل مهدد يطرح بدوره إشكالية اجتماعية، خصوصاً إذا لم يترافق مع حل واضح لإعادة الإسكان أو التعويض.
وهكذا، لم يعد ملف البنايات الآيلة للسقوط مجرد قضية تقنية مرتبطة بسلامة المباني، بل تحول إلى ملف تتقاطع فيه المسؤوليات القانونية للجماعات والسلطات المحلية والمالكين والجهات التقنية، إلى جانب أبعاد اجتماعية وحقوقية وعمرانية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الرباط وباقي المدن المغربية هو تقليص الفجوة بين تشخيص الخطر والتدخل لإزالته.
فإدراج بناية ضمن لائحة المباني الآيلة للسقوط، أو إنجاز خبرة تقنية بشأنها، لا يعني أن الخطر قد انتهى، إذ إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تبقى بناية مصنفة ضمن المباني المهددة دون أن تتبع عملية التشخيص إجراءات وقائية وعلاجية في الوقت المناسب.
ومع استمرار تقادم النسيج العمراني في عدد من الأحياء، تطرح حوادث الانهيار المتكررة سؤالاً ملحاً حول مدى قدرة منظومة التدخل الحالية على الانتقال من منطق الجرد والمراقبة إلى منطق الاستباق والمعالجة، قبل أن تتحول بناية مصنفة على الورق إلى مأساة على أرض الواقع.




