الرئيسيةسياسة

الرباط لمدريد.. الشراكة الاستراتيجية ليست ورقة انتخابية

يكتسي التصريح الأخير للخبير المغربي-الأمريكي، محمد الدعدوي، أهمية خاصة في قراءة الأبعاد الجيوسياسية والدبلوماسية للموقف المغربي تجاه إسبانيا، في ظل التجاذبات السياسية الداخلية التي تشهدها الجارة الشمالية. ويعكس التصريح محددات واضحة للدبلوماسية المغربية، القائمة على الوضوح والندية واستحضار المصالح الاستراتيجية، بعيدًا عن الحسابات الانتخابية الظرفية.

وتبرز قوة الرسالة الموجهة من الرباط إلى مدريد في رفض تحويل العلاقات الثنائية إلى ورقة للمساومة السياسية أو أداة لتصريف الأزمات الداخلية. فالمغرب ينظر إلى الشراكة مع إسبانيا باعتبارها خيارًا استراتيجيًا تحكمه اعتبارات الجوار والمصالح المشتركة، وليس رهينة لتقلبات المشهد الحزبي والانتخابي.

وفي هذا السياق، تؤكد الرباط أن حسن الجوار واستقرار العلاقات الثنائية لا ينبغي أن يخضعا لمنطق الظرفية السياسية، بل يتطلبان رؤية بعيدة المدى والتزامًا مسؤولًا يحفظ الثقة بين البلدين. فالعلاقات المغربية الإسبانية، بحكم موقعهما الجغرافي وتشابك مصالحهما، تتجاوز الحسابات السياسية العابرة لتلامس أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

وتحيل الإشارة إلى عامل «الجغرافيا» الواردة في بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى حقيقة استراتيجية أساسية: القرب الجغرافي معطى ثابت لا يمكن تغييره، بينما تظل طبيعة العلاقات السياسية رهينة بالإرادة والاختيارات. ومن هنا، فإن تحويل هذا القرب إلى رافعة للتعاون والاستقرار يتطلب إرادة سياسية صلبة ورؤية تتجاوز منطق الانتخابات والمزايدات.

وفي المقابل، فإن غياب هذه الرؤية قد يحوّل الجوار من عنصر قوة ومصلحة مشتركة إلى مصدر متكرر للتوتر وانعدام الثقة. وهو ما يفسر التحذير من إبقاء العلاقات الثنائية أسيرة المزاج السياسي الظرفي والحملات الانتخابية، بما قد يفرغ الشراكة الاستراتيجية من مضمونها ويعرض مصالح البلدين والمنطقة لتداعيات يصعب احتواؤها.

وتفرض المرحلة الراهنة على صانع القرار الإسباني الارتقاء بالعلاقات مع المغرب إلى مستوى التحديات المشتركة التي تواجه ضفتي المتوسط، بعيدًا عن التوظيف السياسي للملفات الحساسة المرتبطة بالجوار. فالمغرب، من خلال تمسكه بالوضوح والاتساق والاحترام المتبادل، يؤكد أن الشراكة المستدامة لا تُبنى على الحسابات الانتخابية العابرة، وإنما على الثقة والالتزام والمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.

وبذلك، تبدو الرسالة القادمة من الرباط واضحة: الجغرافيا تجمع البلدين، والتاريخ يفرض عليهما مسؤولية مشتركة، أما مستقبل الشراكة فيتوقف على الإرادة السياسية في تحويل هذا الواقع إلى تعاون مستدام، لا إلى ورقة في الحسابات الانتخابية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى