
خاص
في سياق يتعزز فيه الحضور المغربي داخل منظومة الأمن والسلم بالقارة الإفريقية، احتضنت المملكة المغربية، عبر القوات المسلحة الملكية، ورشة تشاورية رفيعة المستوى بنادي الضباط خصصت لإطلاق أشغال إعداد استراتيجية خاصة بـ الاتحاد الإفريقي للدعم النفسي-الاجتماعي لفائدة عمليات دعم السلام. وقد انعقدت هذه الورشة ما بين 3 و6 مارس الجاري، في خطوة تعكس البعد الإنساني المتنامي في مقاربة تدبير النزاعات وتعزيز الاستقرار بالقارة.
ويأتي تنظيم هذه الورشة في إطار التعاون المتواصل بين المغرب والاتحاد الإفريقي في مجال عمليات دعم السلام، وهي شراكة تعكس انخراط المملكة، بثبات ومسؤولية، في دعم الجهود القارية الرامية إلى ترسيخ الأمن الجماعي وتعزيز الاستقرار في المناطق المتأثرة بالنزاعات.
وفي هذا السياق تندرج المبادرة ضمن توجه متزايد داخل المؤسسات الإفريقية للاعتراف بأهمية الصحة النفسية والدعم الاجتماعي كجزء أساسي من منظومة عمليات السلام، بالنظر إلى الآثار العميقة التي تخلفها النزاعات المسلحة على الأفراد والمجتمعات.
وللإشارة، فاحتضان المغرب لهذه الورشة يحمل دلالات تتجاوز بعدها التقني أو المؤسساتي، إذ يعكس مكانة المملكة كفاعل إفريقي موثوق في مجال حفظ السلام وبناء الاستقرار، وهي المكانة التي تعززت عبر عقود من المشاركة الفعلية في بعثات السلام الدولية والإفريقية، وكذا عبر مساهمتها في تطوير مقاربات أكثر شمولية وإنسانية لإدارة الأزمات والنزاعات.
وجدير بالذكر أن المغرب ظل حاضرا في مختلف مسارات دعم السلم بالقارة، مواصلا اليوم ترسيخ رؤيته القائمة على أن الأمن لا يختزل في البعد العسكري وحده، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والنفسية التي تشكل أساس التعافي الحقيقي للمجتمعات الخارجة من النزاعات.
وفي سياق مواز، شكلت هذه الورشة فضاء لتبادل الخبرات والتجارب بين خبراء عسكريين وأخصائيين في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات الاتحاد الإفريقي وشركائه، بهدف بلورة تصور استراتيجي متكامل يتيح إدماج خدمات الدعم النفسي والاجتماعي في بنية عمليات دعم السلام الإفريقية.
وفي الصدد ذاته، ناقش المشاركون سبل تطوير برامج مواكبة للعسكريين والمدنيين المشاركين في بعثات السلام، قبل الانتشار في مناطق النزاع وأثناءه وبعد العودة منها، فضلاً عن آليات دعم المجتمعات المحلية المتضررة من الحروب والأزمات.
يشار أن هذا التوجه له أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها طبيعة النزاعات المعاصرة، حيث باتت آثارها تتجاوز الخسائر المادية لتطال النسيج النفسي والاجتماعي للمجتمعات، ما يجعل من الدعم النفسي والاجتماعي عنصراً محوريا في إعادة بناء الثقة وتعزيز التماسك المجتمعي.
وفي هذا السياق تؤكد العديد من التقارير الصادرة عن مؤسسات دولية أن إدماج برامج الصحة النفسية في عمليات السلام يسهم بشكل كبير في دعم الاستقرار المستدام ويعزز فرص المصالحة وإعادة الإعمار المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يعكس احتضان المغرب لهذه المبادرة بعدا وطنيا عميقا، يجسد التزام المملكة الدائم بقضايا القارة الإفريقية، ويترجم الرؤية الاستراتيجية القائمة على التضامن الإفريقي والتعاون جنوب-جنوب. كما يبرز الدور المتنامي الذي تضطلع به المؤسسات المغربية، وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية، في تطوير مقاربات مبتكرة تجمع بين الكفاءة العسكرية والبعد الإنساني في دعم السلم والاستقرار.
إن تنظيم هذه الورشة على أرض المغرب ليس مجرد حدث تقني ضمن أجندة التعاون الإفريقي، بل هو رسالة واضحة مفادها أن المملكة تواصل ترسيخ موقعها كجسر للتعاون وكفضاء للحوار وتبادل الخبرات في خدمة الأمن والسلم بالقارة. وفي زمن تتعاظم فيه التحديات الأمنية والإنسانية، يظل هذا الانخراط المغربي المتبصر دليلاً على رؤية استراتيجية تجعل من الإنسان محوراً لأي مشروع حقيقي لبناء السلام.




