
تعود قضية الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش داخل اللجنة الرابعة والعشرين التابعة للأمم المتحدة، المكلفة بقضايا تصفية الاستعمار، لكن هذه العودة تأتي هذه المرة في سياق دولي مختلف عن السنوات الماضية، بعدما شهدت موازين القوى والتحولات الجيوسياسية تغيرات واضحة أعادت تشكيل طريقة التعاطي مع هذا النزاع الإقليمي.
فانعقاد الندوة الإقليمية للجنة ما بين 25 و27 ماي الجاري يتم في ظرفية لم تعد فيها الخطابات التقليدية المرتبطة بشعارات تقرير المصير تحتفظ بنفس الزخم، بل أصبحت القوى الدولية الكبرى تميل بشكل متزايد نحو دعم الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء.
وفي هذا السياق، برز الدور الأمريكي بشكل لافت، بعدما انتقلت واشنطن من موقع المتابع إلى فاعل أساسي يدفع نحو تسوية سياسية تقوم على مقترح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره مبادرة تتمتع بالجدية والواقعية، وهو ما ساهم في تغيير طبيعة النقاش داخل الأمم المتحدة وخارجها.
كما أن التطور الأبرز يتمثل في اعتراف جبهة البوليساريو، لأول مرة بشكل صريح، بأن المشاورات الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة وبدعم أمريكي تتمحور فعليا حول مبادرة الحكم الذاتي، وهو ما يعكس تحولا في خطاب الجبهة التي ظلت لسنوات ترفض إدراج المقترح المغربي ضمن أرضية التفاوض.
هذه التحولات تضع اللجنة الرابعة والعشرين أمام واقع سياسي جديد، خاصة أن اللجنة كانت تاريخيا فضاء تستثمره الأطراف الانفصالية لإحياء خطاب “تصفية الاستعمار”، غير أن المناخ الدولي الحالي أصبح أكثر ارتباطا بمفاهيم الاستقرار والتنمية والأمن الإقليمي، بدل الطروحات الإيديولوجية التي فقدت جزءا كبيرا من تأثيرها السياسي والقانوني.
ويواصل المغرب تعزيز موقعه داخل هذا السياق المتغير، مدعوما بتوسع دائرة التأييد الدولي لموقفه، سواء من خلال مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، أو عبر الدعم المتزايد من دول إفريقية وعربية وأوروبية، والذي تُرجم بافتتاح عشرات القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب تزايد الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي للنزاع.
كما أصبحت الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية ورقة أساسية في التحرك الدبلوماسي المغربي، بعدما تحولت مدن الصحراء إلى أقطاب اقتصادية واستثمارية بفضل مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والموانئ والطاقات المتجددة، ما يمنح الرباط قوة إضافية في تقديم نموذج قائم على التنمية والاستقرار.
ومن المنتظر أن يشكل حضور المنتخبين والفاعلين المدنيين والحقوقيين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية داخل أشغال اللجنة فرصة لإبراز هذه التحولات الميدانية، وتقديم صورة مغايرة عن واقع المنطقة، في مقابل الخطاب الانفصالي الذي يواجه تضييقا متزايدا في هامش تحركه السياسي والدبلوماسي.
كما لا يمكن فصل هذا السياق عن التداعيات التي أعقبت الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، والذي قوبل بإدانات دولية واضحة، عكست رفض المجتمع الدولي لأي تصعيد عسكري من شأنه تهديد الاستقرار وتقويض المسار السياسي، وهو ما عزز القناعة الدولية بضرورة التوجه نحو حل سياسي واقعي ومستدام تحت رعاية الأمم المتحدة.




