المساس بالمحاماة مقامرة خطيرة: حين يختبر مشروع القانون صبر العدالة وكرامة الدفاع

سفيان نهرو
في مشهد يطغى عليه التوتر ويهدد بزلزال تشريعي داخل ردهات المحاكم، يجد وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه في مواجهة عاصفة من الرفض الحقوقي والمهني، بعد أن تحول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى منصة للإجهاز على واحدة من أعرق المهن الحرة في المغرب.
فلم يعد الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر التقنية، بل استحال صراعا وجوديا حول استقلالية الدفاع، التي تعتبرها القوى الحقوقية والديمقراطية الحصن الأخير الذي يفصل بين دولة الحق والقانون وبين النزعات التسلطية التي تروم تدجين “أصحاب البذلة السوداء”.
لقد وضعت عدة تنظيمات حقوقية ومهنية الأصابع على الجرح النازف، معبرة عن قلق عميق حيال مقتضيات تراجعية لا تمس فقط جسد المهنة، بل تستهدف روح العدالة. إن المشروع الذي يدافع عنه وهبي يراه منتقدوه محاولة مكشوفة لفرض وصاية إدارية وسلطوية على مهنة طالما كانت عصية على التطويع، حيث يسعى النص المقترح إلى تكريس آليات للضبط والمراقبة تفرغ الاستقلال المهني من محتواه، وتضع المحامي تحت مقصلة عقوبات زجرية وتأديبية توسع صلاحيات النيابة العامة على حساب مؤسسة النقيب، في ضرب صريح للتراكم التاريخي والحقوقي الذي حققه المحامون المغاربة عبر عقود من النضال.
إن المنطق الذي يحكم هذا المشروع يثير تساؤلات حارقة حول “الجدوى” من إصلاح يهمش المحامي ويقلص ضماناته القانونية أثناء ممارسة مهامه، مما ينعكس بالضرورة على حق المتقاضين في دفاع فعال ومستقل. والأخطر من ذلك، هو تلك النزعة التي تسعى لفتح الباب أمام مكاتب أجنبية وجهات غريبة عن منظومة التقاضي لمنافسة المحامي المغربي، مما يهدد بسيادة “الاحتكار المالي” على حساب “الرسالة الحقوقية”، ويقوض حق المواطن في ولوج مستنير للعدالة. إن منع الاحتجاج داخل المحاكم وتكبيل حرية الرأي والتعبير للمحامين ليس إلا محاولة لفرض صمت مطبق على فئة كانت دائماً صوت من لا صوت له.
أمام هذا الوضع، يرتفع سقف المطالب بالسحب الفوري لهذا المشروع الذي يصادم المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إن الاستمرار في تجاهل صوت الهيئات المهنية والقفز على المقاربة التشاركية لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الوزارة والفاعلين الميدانيين. فالمساس باستقلال المحاماة هو مساس مباشر بمرتكزات دولة الحق والقانون وثقة المواطن في العدالة، ولا يمكن لأي إصلاح أن يحقق غاياته إذا كان مشيداً على أنقاض كرامة الدفاع وحصانة المحامي، التي تظل شرطاً جوهرياً لكل محاكمة عادلة تليق بمغرب القرن الواحد والعشرين.
ففي لحظة دقيقة من تاريخ العدالة بالمغرب، حيث تختبر الدولة منسوب التزامها الحقيقي بدولة الحق والقانون، يتفجر الجدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة باعتباره أكثر من مجرد نص تشريعي عادي. نحن أمام مشروع يعيد طرح سؤال جوهري:
هل يراد للمحامي أن يظل فاعلا مستقلا في معادلة العدالة، أم مجرد ملحق إداري خاضع لمنطق الضبط والمراقبة؟ هنا بالضبط تكمن خطورة ما يجري، وهنا يصبح الصمت تواطؤا، والحياد خيانة لجوهر العدالة.
مشروع القانون الذي تدافع عنه وزارة العدل اليوم لا يقرأ بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه الحريات المهنية والحقوقية. فالنص، في روحه ومقتضياته، لا ينزع فقط إلى تنظيم المهنة، بل يميل بوضوح إلى تطويقها وتجريدها من عناصر قوتها التاريخية، وعلى رأسها الاستقلالية. وهي الاستقلالية التي لم تكن يوما امتيازا فئويا، بل ضمانة دستورية لحماية حق المواطن في دفاع حر وشجاع وغير خاضع للضغط أو الترهيب أو الحسابات السلطوية.
إن تحويل المحامي إلى كائن مهني خائف، محاصر بنصوص زجرية فضفاضة، ومهدد بتوسيع صلاحيات النيابة العامة على حساب مؤسسة النقيب والهيئات المنتخبة، يعني ببساطة كسر التوازن الدقيق داخل منظومة العدالة. فالمحاماة ليست مرفقا تابعا للسلطة التنفيذية، ولا وظيفة إدارية يمكن ضبطها بمنطق التعليمات، بل سلطة أخلاقية وقانونية موازية، وجدت تاريخيا لتكون شوكة في خاصرة الاستبداد، ودرعا للضعفاء في مواجهة تغول السلطة.
الأخطر في هذا المشروع أنه يضرب في العمق فلسفة الدفاع نفسها، حين يضيق هوامش التعبير والاحتجاج داخل فضاءات يفترض أنها معابد للعدل، لا مناطق صمت مفروض. فالمحامي الذي يمنع من الاحتجاج السلمي، ويكبل في رأيه، هو محام منزوع الدسم، غير قادر على أداء رسالته، وهو ما ينعكس مباشرة على المتقاضي، الذي يجد نفسه وحيدا أمام سلطة الاتهام، بلا توازن ولا تكافؤ سلاح.
ولا يمكن تجاهل ما يثيره المشروع من مخاوف حقيقية بشأن فتح المجال أمام مكاتب أجنبية ومنطق تجاري صرف، يهدد بتحويل الدفاع من رسالة حقوقية إلى سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب. هنا لا نتحدث فقط عن مستقبل مهنة، بل عن مستقبل العدالة الاجتماعية، وعن حق المواطن البسيط في ولوج عادل ومنصف للقضاء، بعيدا عن منطق المال والنفوذ.
إن رفض المحامين والهيئات الحقوقية لهذا المشروع ليس نزوة مهنية ولا دفاعا عن مصالح ضيقة، بل موقف مبدئي ينسجم مع الدستور، ومع التزامات المغرب الدولية، ومع المبادئ الأساسية لدور المحامين كما أقرتها الأمم المتحدة. تجاهل هذا الصوت الجماعي، والمرور بالقوة التشريعية، لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة في العدالة، وإلى إنتاج نص يولد ميتا، مرفوضا في الميدان، مهما مر من قنوات شكلية.
الدفاع عن المحاماة اليوم هو دفاع عن العدالة نفسها. ومن يراهن على تدجين أصحاب البذلة السوداء، يغامر بتقويض أحد آخر خطوط الدفاع عن الحقوق والحريات. فالعدالة لا تبنى بالخوف، ولا بالإخضاع، بل بالتوازن، والاحترام، والإيمان بأن المحامي الحر ليس خصما للدولة، بل شرطا من شروط عدالتها.




