
لا يُعد اختيار المغرب لشغل المقعد الأول خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد إجراء بروتوكولي تفرضه آلية القرعة المعتمدة داخل المنظمة، بل يحمل في طياته دلالات سياسية ودبلوماسية تعكس المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المملكة على الساحة الدولية.
فتموقع المغرب في هذا الموقع الرمزي داخل أكبر هيئة أممية تضم 193 دولة يمنحه حضوراً لافتاً خلال مختلف الاجتماعات والقمم المرتقبة، ويضعه في صدارة المشهد الدبلوماسي العالمي، خاصة في ظرفية دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتشابك التحديات.
ويأتي هذا التطور في سياق دينامية متواصلة تعرفها الدبلوماسية المغربية، التي نجحت في تعزيز حضورها داخل المنظمات الدولية وتوسيع شبكة شراكاتها الاستراتيجية مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، مستندة إلى مقاربة نشطة كرست صورة المغرب كشريك موثوق في قضايا الأمن والاستقرار والتنمية والهجرة ومكافحة الإرهاب.
كما راكمت المملكة حضوراً وازناً داخل المحافل متعددة الأطراف، سواء عبر مساهماتها في عمليات حفظ السلام أو من خلال انخراطها الفاعل في المبادرات الدولية المرتبطة بالتنمية المستدامة والتعاون جنوب-جنوب، لا سيما في القارة الإفريقية.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الدورة المقبلة للجمعية العامة ستشهد مناقشة ملفات دولية وإقليمية حساسة، ما يتيح للمغرب فرصة إضافية لإبراز مواقفه ورؤيته بشأن القضايا المدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة.
وينسجم هذا الحضور الرمزي مع الزخم الذي تعرفه السياسة الخارجية للمملكة، والتي مكنتها من ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي وقاري قادر على بناء جسور الحوار وتعزيز التعاون مع مختلف الشركاء.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا التطور عن المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب في السنوات الأخيرة بخصوص قضية الصحراء المغربية، حيث تمكن من توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية.
ورغم أن شغل المقعد الأول لا يمنح أي امتيازات قانونية أو صلاحيات إضافية داخل أجهزة الأمم المتحدة، فإن رمزيته السياسية تظل ذات أهمية كبيرة، خاصة في ظل استمرار النقاشات المرتبطة بهذا الملف داخل أروقة المنظمة.
كما يعكس هذا الاختيار حجم الثقة والاحترام اللذين يحظى بهما المغرب داخل المنتظم الدولي، ويؤكد تحوله إلى فاعل مؤثر في النقاشات الدولية الكبرى، بدل الاكتفاء بدور المتتبع. إذ بات حضوره داخل المؤسسات الدولية يستند إلى رؤية دبلوماسية قائمة على الانفتاح والتوازن، والدفاع عن المصالح الوطنية، مع الحفاظ على علاقات متينة ومتنوعة مع مختلف القوى الدولية.
وبالرغم من أن اختيار الدولة التي تشغل هذا المقعد يتم وفق آلية تقنية قائمة على القرعة، فإن دلالاته الرمزية تظل قائمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تعزز حضورها وتأثيرها داخل المنظمات الدولية.
وعليه، يمكن اعتبار هذا الاختيار مؤشراً إضافياً على المكانة المتنامية التي أصبح المغرب يحتلها دولياً، وعلى نجاح دبلوماسيته في ترسيخ صورته كفاعل مسؤول ومؤثر في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، والمساهمة في صياغة حلول مشتركة للتحديات التي يواجهها المجتمع الدولي.




