
في سياق التحولات العميقة التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية على بنية الاقتصاد العالمي، اتجهت العلاقات المغربية الروسية نحو مقاربة أكثر براغماتية، ترتكز على الحفاظ على قنوات التعاون السياسي والاقتصادي، مع توسيع المبادلات التجارية في ظرف دولي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات والشراكات ومصادر التوريد.
وتتمحور هذه الدينامية حول قطاعات حيوية، في مقدمتها الحبوب والطاقة والتجارة، حيث استفاد المغرب من تنويع مصادر إمداداته، في حين تنظر روسيا إلى المملكة كشريك استراتيجي وسوق واعدة في شمال إفريقيا، فضلاً عن موقعها كبوابة لوجستية تربط أوروبا بإفريقيا والمحيط الأطلسي.
وتؤكد الأرقام هذا التوجه، إذ بلغت واردات المغرب من الحبوب الروسية حوالي 149.2 مليون دولار خلال سنة 2025، منها ما يقارب 146.35 مليون دولار من القمح، إضافة إلى الشعير وأنواع أخرى من الحبوب. كما وصلت القيمة الإجمالية للواردات المغربية من روسيا إلى نحو 677.28 مليون دولار، شملت أيضاً الألمنيوم والأسمدة ومخلفات الصناعات الغذائية ومنتجات صيدلانية.
وفي قطاع الطاقة، فرضت تقلبات الأسواق العالمية على المغرب توسيع قاعدة الموردين، حيث لا تزال المنتجات الطاقية الروسية، خصوصاً النفطية، حاضرة في السوق المغربية.
كما تشير تقارير إلى أن جزءاً من الغاز الروسي يصل إلى المغرب عبر الغاز الطبيعي المسال الذي يُعاد تغويزه في إسبانيا قبل نقله عبر خط المغرب العربي-أوروبا.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على الأرقام فقط، بل تمتد إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية. فقد دفعت العقوبات الغربية روسيا إلى توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة، في حين استفاد المغرب من بنيته التحتية المتطورة وموقعه الجغرافي لتعزيز دوره كمحور لوجستي إقليمي.
ويبرز ميناء طنجة المتوسط كعنصر محوري في هذه المعادلة، حيث أصبح منصة ربط بحرية عالمية، تمنح المغرب قدرة متزايدة على استيعاب وتوجيه التدفقات التجارية بين الأسواق الروسية والأوروبية والإفريقية.
وفي تطور لافت، كشفت تقارير حديثة عن دينامية تبادل أكثر توازناً، بعدما استوردت روسيا في يوليوز 2026 شحنة بنزين من المغرب تقدر بحوالي 30 ألف طن، انطلقت من ميناء طنجة نحو ميناء مورمانسك. ويعكس هذا التحول قدرة المغرب على لعب دور مزدوج، ليس فقط كمستورد، بل كمصدر في حالات تفرضها تقلبات السوق الدولية.
وتحمل هذه الواقعة دلالات استراتيجية، إذ تؤكد أن الموقع اللوجستي للمملكة أصبح عنصراً فاعلاً في توازنات التجارة المرتبطة بالأزمة الروسية، بما يعزز مكانتها كمركز إقليمي لإعادة التصدير وتدبير التدفقات التجارية.
على الصعيد الدبلوماسي، حافظ المغرب على سياسة متوازنة تقوم على عدم الانخراط في الاصطفافات الحادة المرتبطة بالحرب، مع الإبقاء على علاقاته مع موسكو بالتوازي مع شراكاته الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
في المقابل، تسعى روسيا إلى توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والاستثمار، مستفيدة من أرضية الحوار السياسي المستمر بين البلدين، رغم تباين مواقفهما في بعض القضايا الدولية.
وتظل قضية الصحراء المغربية من أبرز الملفات التي تختبر هذا التوازن، غير أن استمرار التعاون الاقتصادي والتواصل السياسي يعكس قدرة الطرفين على تدبير الخلافات دون التأثير على مسار العلاقات الثنائية.
وفي المجمل، تتجه العلاقات المغربية الروسية نحو نموذج قائم على المصالح المتبادلة وتعدد الشركاء، بعيداً عن منطق التحالفات المغلقة. فالمغرب يسعى إلى تأمين احتياجاته من الطاقة والمواد الأولية، بينما تبحث روسيا عن منافذ وأسواق جديدة في ظل القيود الغربية.
وبين التجارة والطاقة والموانئ والاستثمار، تتشكل تدريجياً شبكة مصالح تعزز موقع المغرب كمنصة لوجستية صاعدة بين القارات، وتفتح آفاقاً أوسع لتطوير التعاون الثنائي، خاصة إذا انتقل من مجرد تبادل تجاري إلى مشاريع مشتركة في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.




