
لم تعد المنافسة المغربية الإسبانية في المجال البحري مقتصرة على استقطاب حركة الحاويات والخطوط التجارية، بل امتدت إلى الاستثمار المباشر في الشركات المشغلة للمحطات المينائية، في تحول يعكس سعي المغرب إلى تعزيز حضوره داخل شبكات النقل البحري والتجارة الدولية.
وتبرز صفقة دخول شركة “مرسى ماروك” إلى رأسمال شركة “بولودا ماريتايم تيرمينالز” الإسبانية، بحصة تبلغ 45 في المائة مقابل 80 مليون يورو، باعتبارها إحدى أبرز محطات هذا التوجه، بالنظر إلى ارتباط الشركة بمحطات في إسبانيا وجزر الكناري، التي تحتل موقعا استراتيجيا على خطوط الملاحة بين أوروبا وغرب إفريقيا والأمريكيتين.
وتتجاوز أهمية هذه العملية قيمتها المالية، إذ تتيح للفاعل المينائي المغربي توسيع نطاق أنشطته والمشاركة في تدبير البنيات اللوجستية الإسبانية، بما يعزز حضوره في سوق تتحدد فيها تنافسية الموانئ بقدرتها على استقطاب الحاويات وتوفير خدمات السفن وربط الأسواق عبر مختلف القارات.
ولا يعني امتلاك حصة في شركة تدبر محطات مينائية امتلاك الموانئ نفسها، لكنه قد يتيح، بحسب حقوق التصويت وترتيبات الحكامة، المشاركة في القرارات التجارية والاستثمارية المؤثرة في أداء الشركة وموقعها داخل السوق.
ويكتسب البعد الجغرافي لهذه الصفقة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع جزر الكناري، التي تشكل حلقة وصل بين الموانئ الأوروبية والسواحل الإفريقية والأطلسية. ويبرز ميناء لاس بالماس ضمن هذه المعادلة، في ظل التحولات التي تعرفها مسارات التجارة البحرية وتطور المراكز اللوجستية في غرب إفريقيا، وفي مقدمتها المشاريع المينائية المغربية.
وفي هذا السياق، تنظر بعض الأوساط الاقتصادية في الجزر إلى دخول “مرسى ماروك” باعتباره جزءا من تحولات أوسع في موازين المنافسة البحرية، خصوصا مع تطوير المغرب لبنياته المينائية وتعزيز طموحاته في مجال النقل والخدمات اللوجستية.
وقد عكست النقاشات المرتبطة بدراسة جامعية حول مستقبل ميناء لاس بالماس مخاوف من تأثير تطور الموانئ المغربية، ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي، على تنافسية الموانئ في جزر الكناري. كما أعلن مجلس جزيرة تينيريفي، في الثاني من أكتوبر، معارضته الترخيص للعملية قبل إخضاعها لتقييم شامل لآثارها الاقتصادية والاستراتيجية واللوجستية.
وتكشف هذه المواقف عن تنامي الاهتمام في بعض الأوساط الإسبانية بتداعيات الاستثمارات المغربية في القطاع المينائي، وإن كانت لا تثبت، في حد ذاتها، أن الصفقة ستؤدي إلى تحويل حركة التجارة أو إضعاف الموانئ المحلية.
في المقابل، يواصل المغرب تطوير منظومته المينائية وتوسيع حضوره في الخدمات اللوجستية، مستفيدا من موقعه الجغرافي بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وقربه من الأسواق الأوروبية، إلى جانب الاستثمارات في البنيات التحتية والمناطق الصناعية وشبكات الربط البحري.
ويمنح هذا التوجه المملكة فرصا متزايدة للمنافسة على التدفقات التجارية، سواء من خلال موانئها الوطنية أو عبر المشاركة في شركات أجنبية تنشط في تدبير المحطات المينائية.
كما أن الجمع بين تطوير البنيات التحتية المحلية والانفتاح على الأسواق الخارجية من شأنه تعزيز اندماج الفاعلين المغاربة في سلاسل القيمة البحرية، دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكهم القدرة على التحكم في مسارات التجارة الدولية.
وتعكس الصفقة، في المحصلة، تحولا في طبيعة المنافسة البحرية بين المغرب وإسبانيا، من التنافس التقليدي على استقطاب السفن والبضائع إلى التنافس على مواقع داخل الشركات التي تدير المحطات والخدمات المرتبطة بها.
فالمشاركة في رأسمال مشغل مينائي أجنبي تتيح فرصا للتوسع وتبادل الخبرات وتطوير العلاقات التجارية، كما قد تمنح الشريك المغربي قدرة أكبر على التأثير في الاستراتيجية الاستثمارية للشركة، تبعا لبنود الاتفاق وتوزيع صلاحيات اتخاذ القرار.




