
على بعد نحو 75 كيلومترًا جنوب مدينة مراكش، يمتد المنتزه الوطني لتوبقال بين قمم الأطلس الكبير الشاهقة ووديانه العميقة، ليشكل إحدى أبرز الوجهات الطبيعية بالمغرب، حيث تمتزج المناظر الخلابة بغنى التنوع البيولوجي وأصالة التراث الثقافي المحلي.
ويعد المنتزه، الذي أُحدث في 19 يناير 1942 كأول منتزه وطني بالمملكة، من أهم المناطق المحمية بالمغرب، إذ يمتد على مساحة تناهز 38 ألف هكتار، ويحتضن جبل توبقال، أعلى قمة في شمال إفريقيا بارتفاع يبلغ 4167 مترًا، ما يجعله قبلة لعشاق المشي الجبلي وتسلق القمم من داخل المغرب وخارجه.
ومنذ ساعات الصباح الأولى، تستقبل المسالك الجبلية المؤدية إلى المنتزه أفواجًا من الزوار والرياضيين والمغامرين، الراغبين في استكشاف تضاريس الأطلس الكبير وخوض تجربة تجمع بين المغامرة والاستمتاع بالطبيعة.
وتعد جماعات أوكايمدن، وستي فاضمة بوادي أوريكا، وآسني، من أبرز مداخل المنتزه، حيث تتناغم القرى الجبلية التقليدية مع المجاري المائية والغابات والمرتفعات، في مشهد يعكس خصوصية المجال الطبيعي والثقافي للمنطقة.
ويتميز المنتزه الوطني لتوبقال بتنوع بيولوجي غني، يضم غطاءً نباتيًا متنوعًا من أشجار العرعر والبلوط الأخضر وعددًا من النباتات المتوطنة، كما يؤوي أنواعًا حيوانية نادرة، من بينها الأروي المغربي والنسر كاسر العظام وعدة أنواع من الطيور الجارحة.
كما يشكل خزانًا مائيًا مهمًا، بفضل خمسة أحواض رئيسية هي نفيس وغيغاية وأوريكا وسوس ودرعة، ما يمنحه أهمية بيئية كبيرة في الحفاظ على الموارد الطبيعية والتوازن الإيكولوجي.
ولا تقتصر جاذبية المنتزه على مؤهلاته الطبيعية، بل تمتد إلى ما تزخر به المنطقة من تراث معماري وثقافي أمازيغي أصيل، يتجلى في القرى الجبلية التقليدية، والحرف اليدوية، والمطبخ المحلي، والعادات والتقاليد التي تضفي على تجربة الزائر بعدًا ثقافيًا مميزًا.
وأكد المرشد السياحي محمد بنعدي أن المنتزه أصبح خلال السنوات الأخيرة من أبرز وجهات السياحة الجبلية بالمغرب، بفضل تنوع مسالكه الطبيعية والأنشطة التي يوفرها، من المشي الجبلي وتسلق القمم إلى اكتشاف القرى الجبلية والتعرف على نمط عيش ساكنتها.
وأشار إلى أن وادي أوريكا يشكل بوابة رئيسية لولوج المنتزه، مستقطبًا سنويًا أعدادًا متزايدة من السياح المغاربة والأجانب الباحثين عن تجربة تجمع بين المغامرة والطبيعة والثقافة.
وفي إطار استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030″، تعمل الوكالة الوطنية للمياه والغابات على تنفيذ برنامج متكامل لتأهيل المنتزه وتثمينه، يهدف إلى تعزيز جاذبيته البيئية والسياحية، والمحافظة على موارده الطبيعية، ودعم التنمية المستدامة لفائدة الساكنة المحلية.
وأوضحت مديرة المنتزه، حنان القرفي، أن البرنامج يشمل حماية الأنظمة البيئية، وإعادة توطين الأصناف المميزة، وتطوير البنيات التحتية الخاصة بالسياحة البيئية، وتعزيز قدرات الفاعلين المحليين، وتشجيع الاقتصاد الأخضر، إلى جانب ترسيخ الحكامة التشاركية في تدبير هذا الفضاء الطبيعي.
وبفضل هذا التوازن بين حماية البيئة وتثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية، يواصل المنتزه الوطني لتوبقال ترسيخ مكانته كإحدى أبرز الوجهات الجبلية بالمغرب، ونموذجًا للسياحة البيئية المستدامة التي تجعل من الحفاظ على الطبيعة رافعة للتنمية المحلية.
و.م.ع




