
تشهد منطقة مضيق جبل طارق تحولا متسارعا في خريطة المنافسة المينائية، مع توسع القدرات المغربية مقابل التحديات التي تواجهها الموانئ الإسبانية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الالتزام بالقواعد الأوروبية المتعلقة بالانبعاثات.
ويبرز ميناء طنجة المتوسط في صدارة هذا التحول، بعدما عزز موقعه كأحد أبرز موانئ الحاويات في المنطقة. وخلال سنة 2025، عالج الميناء نحو 11.1 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدمًا، بزيادة بلغت 8.4 بالمئة، مقابل حوالي 4.73 ملايين حاوية عالجها ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، بنمو لم يتجاوز 0.5 بالمئة.
وتعكس هذه الأرقام تنامي الحضور المغربي في حركة الحاويات عبر مضيق جبل طارق، في وقت تستعد فيه المملكة لإضافة ميناء الناظور غرب المتوسط إلى منظومتها المينائية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تطبيق نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات في قطاع النقل البحري، الذي يفرض على شركات الشحن تغطية تدريجية لانبعاثاتها، قبل الوصول إلى نسبة 100 بالمئة خلال سنة 2026.
وفي هذا السياق، أدرجت المفوضية الأوروبية ميناء طنجة المتوسط ضمن قائمة الموانئ المجاورة لإعادة شحن الحاويات، إلى جانب ميناء شرق بورسعيد المصري، في إطار جهودها للحد من محاولات تفادي احتساب الانبعاثات عبر اللجوء إلى موانئ خارج الاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك، يعكس إدراج طنجة المتوسط في هذه القائمة مكانته المتنامية داخل شبكة الملاحة الدولية، بعدما أصبح محطة رئيسية لخطوط الشحن العالمية.
ومن المنتظر أن يعزز ميناء الناظور غرب المتوسط هذه الدينامية، مع توقع بدء تشغيله تدريجيًا خلال الربع الأخير من سنة 2026، قبل استكمال تشغيل باقي مرافقه خلال 2027.
ويتميز المشروع بموقع استراتيجي على الواجهة المتوسطية، وبقدرات استيعابية كبيرة، إذ يرتقب أن تصل طاقته عند اكتماله إلى نحو خمسة ملايين حاوية سنويًا، إلى جانب قدرات مهمة لمناولة المواد السائلة والصلبة. كما تقدر الاستثمارات المرتبطة بالمشروع بنحو 51 مليار درهم.
ولا يقتصر الرهان المغربي على استقبال السفن، بل يمتد إلى تطوير قطب لوجستي وصناعي متكامل قادر على استقطاب خطوط ملاحية جديدة وتعزيز أنشطة إعادة الشحن والتخزين والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل، تواجه الموانئ الإسبانية تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الامتثال للمعايير البيئية الأوروبية، ما يفرض عليها تعزيز قدرتها التنافسية والحفاظ على جاذبيتها أمام شركات الملاحة.
وبين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط من جهة، والجزيرة الخضراء من جهة أخرى، تتشكل ملامح منافسة جديدة على حركة التجارة والشحن في مضيق جبل طارق.
ومع استمرار الاستثمارات المغربية وتوسع البنية المينائية، لم تعد المنافسة مقتصرة على ميناء واحد، بل أصبحت مرتبطة بقدرة كل طرف على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الموقع الاستراتيجي والطاقة الاستيعابية والخدمات اللوجستية والقدرة على جذب التجارة العالمية.




