اقتصادالرئيسيةوطني

انفراد: تحقيق حول الكبريت وأثره على السيادة الفوسفاطية المغربية

تحقيق: مولاي عبد الله الفيلالي

بينما يفتخر المغرب بريادته العالمية في قطاع الفوسفاط، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في “التبعية المطلقة” لتأمين مادة أساسية لا غنى عنها في تحويل الفوسفاط: الكبريت

تكشف الوثائق الحصرية التي حصلنا عليها، والتي تشمل جدول الأسعار اليومية بتاريخ 22 يناير 2026، عن منحى تصاعدي ينذر بمرحلة من عدم الاستقرار الاقتصادي.

ففي الوقت الذي يسعى فيه المغرب لتعزيز تنافسية أسمدته، سجلت أسعار الكبريت “المحبب” (Granular) الواصل إلى الموانئ الصينية (CFR China) قفزة نوعية لتتراوح ما بين 535 و540 دولاراً للطن، بزيادة قدرها 12.5 دولاراً في يوم واحد. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم عابر، بل مؤشر على ضغط هائل يتحمله المجمع الشريف للفوسفاط (OCP).

المغرب، الذي يستورد ملايين الأطنان من الكبريت سنوياً لإنتاج الحامض الكبريتي، يجد نفسه تحت رحمة تقلبات الأسعار الدولية، المتأثرة مباشرة بمستويات الإنتاج في الشرق الأوسط، حيث بلغ سعر التسليم (FOB) في هذه المنطقة ما بين 522 و527 دولاراً للطن.

لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن الجرح العميق في البنية الصناعية المغربية: مصفاة “لاسامير”. توقف عمليات التكرير في المحمدية لم يحرم المغرب من سيادته الطاقية فحسب، بل نزع منه صمام أمان حيوي لتأمين الكبريت محلياً.

التقديرات الصناعية تؤكد أن تكرير النفط الخام كان يوفر كميات مهمة من الكبريت المستخلص كناتج ثانوي. وبغياب الإنتاج المحلي، أصبح المغرب يستورد “تبعيته” من الأسواق الدولية بالعملة الصعبة. أي ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر الطن عالمياً يترجم مباشرة إلى ملايين الدولارات إضافية في فاتورة الاستيراد المغربية، مما يهدد هوامش الربح في قطاع الأسمدة، العمود الفقري للصادرات الوطنية.

من خلال تتبع الرسوم البيانية للمقارنة اليومية لأسعار “البقعة” (Spot price) في يناير 2026، يظهر تذبذب حاد يعكس حالة القلق في الأسواق العالمية.

أسعار الكبريت الجاف (Dry bulk) الخارج من المصانع الصينية استقرت عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 4355 و4365 يوان للطن.

أما أسعار الكبريت المحبب (Granular CFR) فارتفعت صاروخياً من 515 دولاراً في مطلع يناير إلى 540 دولاراً بحلول 22 يناير.

وفقاً للخبراء، يحتاج المغرب إلى حوالي عشرين ألف طن يومياً، أي أن أي زيادة قدرها 500 دولار للطن تعني 10 ملايين دولار زيادة يومياً في تكلفة الاستيراد.

ويعود سبب هذه الزيادة إلى عدة عوامل:

1. أزمة سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن البحري، إضافة إلى الاضطرابات الجيوسياسية في ممرات الملاحة.

2. تحولات صناعة التكرير العالمية، حيث اتجهت المصافي نحو معالجة خامات أخف وزناً تحتوي على كبريت أقل، مما قلص العرض العالمي.

3. اعتماد المغرب على الكبريت ليس ترفاً، بل ضرورة حيوية لتحويل الفوسفاط إلى حامض فوسفوري وأسمدة مركبة، وهي عمليات تستهلك كميات هائلة من الكبريت.

الصور الميدانية لتلال الكبريت الأصفر في الموانئ المغربية تعكس ليس فقط مخزونا صناعياً، بل “عملة صعبة” مكدسة تحت الشمس. تخزين الكبريت في أكياس ضخمة أو خلايا مكشوفة يحتاج إلى معايير بيئية وتقنية صارمة لتفادي الحرائق أو التلوث، ما يضيف كلفة لوجستية إضافية على كلفة الشراء المرتفعة أصلاً.

وجدير بالذكر أن طنا من النفط ينتج بين 5 و50 كلغ من الكبريت حسب نوع الخام، وسعر الكبريت اليوم بالبرصة العالمية تجاوز 560 دولاراً للطن، بعد أن لم يتعد 60 دولارا طيلة السنوات الماضية.

المكتب الشريف للفوسفاط يعتمد اعتماداً كلياً على الكبريت لاستخراج الحامض الكبريتي، الركيزة الأساسية لصناعة الحامض الفوسفوري وكل الصناعات التحويلية للفوسفاط.

حاجته اليومية تتجاوز 20 ألف طن، مما يبرز أهمية الإسراع بإعادة تشغيل مصفاة لاسامير، خلافاً لما أعلنته الوزيرة المكلفة بقطاع الطاقة.

المؤشرات وخبراء الميدان يحذرون من أن سعر الكبريت قد يتجاوز قريباً 800 دولار للطن، ما سيرفع الكلفة ويضر بتنافسية الفوسفاط المغربي.

استمرار المغرب في دور “المشتري السلبي” للكبريت في ظل هذه الأسعار الفلكية يضع تنافسيته الصناعية في مهب الريح. الحل يتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز مجرد الاستيراد، وتشمل

1. إحياء قدرات التكرير الوطنية لاستخلاص الكبريت محلياً ضمن دورة اقتصادية متكاملة.

2. اعتماد عقود توريد استراتيجية طويلة الأمد للتحوط ضد القفزات السعرية المفاجئة.

3. الاستثمار في تكنولوجيا تدوير الكبريت لتقليل الهدر في العمليات الصناعية وخفض التبعية للخارج.

الكبريت لم يعد مجرد مسحوق أصفر، بل أصبح “ترمومتر” يقيس قدرة المغرب على حماية سيادته الصناعية في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يمتلكون المادة والقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى