برادة في مواجهة لنقد نقابي حاد ل” محنة مدرسة الريادة”

مشروع مدارس الريادة كان يفترض ان يكون منبرا للابتكار والتجديد، منصة لتطوير المدرسة العمومية وتجويد التعليم، لكن الواقع قلب كل هذه الشعارات إلى كابوس مهني ونفسي لأستاذ التعليم الابتدائي.
اللجنة التحضيرية للنقابة الوطنية لأساتذة التعليم الابتدائي، التابعة للجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي)، حذرت من تدهور متسارع للأوضاع المهنية والنفسية لنساء ورجال التعليم، خصوصا أولئك الذين صاروا في قلب تجربة الريادة، حيث الأعباء تتراكم، والكرامة تضيع، والطفل يحاصر برقم وبيانات بدل الفضول والمعرفة.
النقابة انتقدت التنفيذ الأحادي للمشروع، حيث تم فرضه دون أي مشاركة فعلية للأساتذة، مع تجاهل الاحتياجات الحقيقية للمتعلمين. التجربة، حسب البيان، شابتها اختلالات تنظيمية ولوجستية جعلت العملية التعليمية تدور في حلقة مفرغة، لا يستفيد منها الطفل ولا يحافظ على كرامة المدرس.
الأساتذة اليوم مجبرون على أداء أدوار متعددة في آن واحد: تصحيح مستمر، تتبع دقيق، إعداد تقارير، التعامل مع منصات رقمية معقدة، ما حول الأستاذ إلى منفذ آلي مستنزف لا يمتلك فرصة للإبداع أو ممارسة التدريس بشكل حر.
على الصعيد البيداغوجي، رصدت النقابة تقييد الحرية البيداغوجية وتحويل المدرس إلى ناقل لدروس مبرمجة مسبقا، لا تراعي الفروق الفردية بين التلاميذ، ولا تأخذ بعين الاعتبار اختلاف قدراتهم ومستوياتهم، بل تركز على مؤشرات رقمية باردة.
التعليم في مدارس الريادة، كما لاحظ البيان، صار مجرد أرقام ومؤشرات على منصات رقمية، بلا روح، بلا إنسانية، بلا إبداع، محوّل العملية التعليمية من تجربة تنموية ومعرفية إلى إجراء روتيني بلا بعد إنساني.
النقابة لم تكتف بالتحذير بل وضعت مطالب واضحة: تعويض شهري لا يقل عن 3000 درهم لكل أساتذة الابتدائي مقابل الأعباء الإضافية لمشروع الريادة، مع الإسراع بتنفيذ اتفاقات 2011 و2023 المتعلقة بالتعويضات والترقية وتقليص ساعات العمل، لضمان الحد الأدنى من العدالة والكرامة المهنية. كما دعت إلى مراجعة شاملة للمشروع بناء على تقييم موضوعي وواقعي من داخل المؤسسات التعليمية، لضمان أن يكون المشروع في خدمة التلميذ لا في خدمة المنصات الرقمية واللوائح الإدارية.
النقابة في السياق ذاته أبدت استعدادها لخوض أشكال احتجاجية مشروعة، وأعلنت عزمها على تنظيم المؤتمر التأسيسي للنقابة الوطنية لأساتذة التعليم الابتدائي، دفاعا عن كرامة الأستاذ ومستقبل المدرسة العمومية.
الرسالة واضحة: لا مساومة على كرامة الأستاذ، ولا تجاهل للبعد الإنساني في التعليم، لأن أي محاولة لإفراغ العملية التعليمية من الإنسان ستترك آثارا كارثية على الأجيال القادمة.
الواقع أصبح صارخا: مدارس الريادة، بدل أن تكون جسرا للتجديد، تحولت إلى مختبر رقمي ينهك الأساتذة ويمحو الإبداع من التعليم، فيما الطفل صار رقما في قاعدة بيانات، والأساتذة مجرد موظفين آليين. إذا استمر هذا المشروع بلا تقييم حقيقي، فإن الضرر لن يقتصر على المدرس أو التلميذ وحدهما، بل سيمتد إلى مدرسة عمومية عاجزة عن تلبية احتياجات المجتمع وأجيال مستقبلية محرومة من التعليم الإنساني الحقيقي.
وفي هذا الصدد حذرت النقابة: من تعليم بلا حرية أكاديمية، وبلا احترام للكرامة المهنية، وبلا مراعاة للفروق الفردية بين التلاميذ، وعدته مجرد تجربة إدارية رقمية باردة. وإذا بقيت الإدارة على موقفها، فإن المستقبل سيشهد جيلين: أساتذة مستنزفون نفسيا وجسديا، وأطفال تربوا على أرقام لا على معرفة، على منصات رقمية لا على حوار، على مؤشرات لا على قيم.
المدرسة العمومية أمام مفترق حاد: إما استعادة روح التعليم وكرامة الأستاذ، أو الاستسلام لمشروع رقمي بلا قلب، بلا عقل، بلا روح، يقتل الفضول والابداع قبل أن يقتل المعرفة نفسها. مدارس الريادة اليوم هي مرآة فشل الإدارة في التوفيق بين التحديث الرقمي وكرامة المدرس، بين التقدم التكنولوجي وحقوق الطفل في التعلم الحقيقي.




