
تكشف تصريحات وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة من نيويورك عن توجه مغربي واضح لضبط النقاش حول العلاقات مع إسبانيا ضمن الإطار الذي أرسته الشراكة الجديدة بين البلدين منذ البيان المشترك الصادر في أبريل 2022، بعيدا عن التجاذبات السياسية والإعلامية.
وشدد بوريطة، عقب مباحثاته مع نظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، على أن العلاقات بين الرباط ومدريد تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل والحوار، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة تفادي فرض الأمر الواقع أو اتخاذ خطوات غير متوقعة من شأنها التأثير على مسار التعاون الثنائي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق عودة ملف الهجرة إلى واجهة النقاش المغربي الإسباني، خصوصا على خلفية التطورات المرتبطة بمدينة سبتة خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من نقاش حول إعادة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين.
وفي هذا الصدد، أكد بوريطة أن موقف المغرب من مسألة إعادة هذه الفئات واضح، موضحا أن المملكة مستعدة لقبول عودة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين، وأن التساؤلات بشأن تعثر بعض عمليات العودة ينبغي توجيهها إلى الطرف الذي توجد لديه الملفات والإجراءات المرتبطة بها.
ووضع الوزير بذلك مسؤولية التعثر في عمليات الإعادة في الجانب الإسباني، مشيرا إلى أن الأمر يرتبط، بحسب توصيفه، بـ”جدالات وعراقيل وصعوبات إسبانية”، وليس برفض مغربي لمبدأ العودة.
ويأتي هذا التوضيح في إطار سعي الرباط إلى منع تحويل ملف الهجرة إلى مصدر ضغط سياسي على المغرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بإجراءات وملفات تتم داخل الأراضي الإسبانية.
ورغم الخلافات القائمة حول بعض الملفات، شدد بوريطة على أن ذلك لا يشكل مبررا لإعادة النظر في جوهر الشراكة المغربية الإسبانية، مؤكدا وجود العديد من القضايا التي يتفق بشأنها البلدان ويمكن تحقيق تقدم فيها، فيما تظل نقاط الاختلاف قابلة للمعالجة عبر الحوار والتشاور وروح حسن الجوار.
وتعكس هذه المقاربة حرص الرباط على إبقاء الخلافات في إطارها السياسي، دون السماح لها بالتحول إلى قطيعة أو تعطيل شامل للعلاقات الثنائية، التي تشمل مجالات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة.
وفي المقابل، وجه بوريطة انتقادات إلى ما وصفه بالمرافعات والاتهامات التي لا تستند إلى أساس، معتبرا أن الشراكة بين البلدين لا يمكن أن تقوم على “خطاب عقيم”، كما انتقد تصريحات صادرة عن بعض الفاعلين السياسيين الإسبان، معتبرا أنها تعكس، بحسب تقديره، عدم استيعاب لقيمة الشراكة القائمة بين البلدين ولواقع المغرب اليوم، فضلا عن محدودية الإلمام بطريقة تدبير المملكة لملف الهجرة.
وتبرز هذه التصريحات تمسكا مغربيا بالتمييز بين الخلافات السياسية الطبيعية وبين المواقف التي من شأنها التشكيك في أسس التعاون الثنائي. فالرباط، وفق الرسالة التي حملها بوريطة من نيويورك، منفتحة على مناقشة الملفات الحساسة، لكنها ترفض أن تتحول الاتهامات أو المزايدات السياسية إلى أساس لإدارة العلاقات مع مدريد.
ويأتي ذلك منسجما مع تأكيد بوريطة أن المبادئ التي تضمنها البيان المشترك الصادر في أبريل 2022 ما تزال تمثل المرجعية الأساسية للعلاقات المغربية الإسبانية، بما يشمل احترام المصالح المتبادلة وتعزيز الحوار والتشاور بشأن القضايا الخلافية.
وتحمل تصريحات الوزير، في هذا السياق، رسالة واضحة بشأن حدود النقاش مع مدريد، مفادها أن التعاون سيظل مفتوحا في الملفات التي تجمع البلدين، وأن الخلافات ستتم معالجتها عبر القنوات السياسية، في حين ترفض الرباط تحميلها مسؤولية كل تعثر مرتبط بملف الهجرة.
ويظل هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، غير أن طريقة تدبير الخلافات بشأنه ستبقى عاملا أساسيا في اختبار قدرة البلدين على الحفاظ على مسار الشراكة الذي أرساه اتفاق أبريل 2022.




