مجتمع

جنيف تحتضن جولة جديدة من محادثات روسيا وأوكرانيا وسط تفاؤل أميركي وتصعيد ميداني مستمر

استأنف المفاوضون الأوكرانيون والروس جولة ثانية من المحادثات في جنيف، في محاولة جديدة لإحياء المسار الدبلوماسي ووقف الحرب الدائرة منذ قرابة أربع سنوات، في وقت أبدى فيه المبعوث الأميركي تفاؤلا بإمكانية تحقيق تقدم نحو إنهاء النزاع الذي يُعد الأعنف في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وتأتي هذه الجولة بعد إخفاق محادثات سابقة عقدت في أبو ظبي في إحداث اختراق ملموس بين موسكو وكييف، وسط استمرار الخلافات العميقة بشأن الأراضي التي تطالب روسيا بالسيطرة عليها، وتسعى الولايات المتحدة إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، غير أن الهوة لا تزال واسعة بشأن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الذي يمثل إدارة دونالد ترامب في المحادثات، اعتبر أن الجهود الدبلوماسية “أحرزت تقدما هاما”، مشيرا إلى أن جمع طرفي النزاع على طاولة واحدة بحد ذاته خطوة مهمة نحو وقف القتال. وأكد أن الطرفين اتفقا على إطلاع قيادتيهما على المستجدات ومواصلة العمل سعياً إلى اتفاق، رغم أجواء التوتر التي خيمت على الجولة السابقة، والتي استمرت ست ساعات وفق مصدر قريب من الوفد الروسي.

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده “للمضي بسرعة نحو اتفاق ينهي الحرب”، لكنه شكك في جدية موسكو، معتبراً أن استمرار الضربات الصاروخية يقوض أي مسعى للسلام. كما أعرب عن تحفظه إزاء الضغوط الأميركية لدفع كييف إلى تقديم تنازلات، مؤكداً أن السلام الدائم لن يتحقق إذا مُنحت روسيا نصراً سياسياً أو ميدانياً.

الكرملين من جهته أعاد تعيين فلاديمير ميدينسكي رئيسا للوفد المفاوض، بينما يترأس وزير الأمن القومي الأوكراني رستم عمروف وفد بلاده، في مسار تفاوضي تحيط به شكوك واسعة بشأن فرص تحقيق اختراق حقيقي. وكان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قد خفّض سقف التوقعات، معلنا أنه لا ينتظر صدور أخبار مهمة في اليوم الأول من المحادثات.

ميدانياً، تتواصل العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، إذ تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بشن هجمات صاروخية وجوية واسعة قبيل انعقاد الجولة الجديدة. وأعلنت أوكرانيا تعرضها لهجوم مكثف بالصواريخ والطائرات المسيرة أسفر عن سقوط قتلى وانقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف، بينما أكدت روسيا أنها تصدت لهجمات بطائرات مسيرة استهدفت مناطق جنوبية وشبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014.

وتسيطر روسيا حاليا على نحو خمس الأراضي الأوكرانية، وتسعى إلى فرض سيطرتها الكاملة على منطقة دونيتسك كجزء من أي اتفاق محتمل، ملوحة بمواصلة العمليات العسكرية في حال فشل المسار التفاوضي. في المقابل، ترفض كييف التنازل عن أراضٍ إضافية دون الحصول على ضمانات أمنية صلبة تحول دون تكرار أي غزو مستقبلي.

ورغم استمرار التقدم الروسي التدريجي على بعض محاور القتال، تواجه موسكو ضغوطا اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات الغربية وتراجع عائدات النفط، ما انعكس على النمو وعجز الموازنة. في الوقت ذاته، أعلنت أوكرانيا استعادة مساحة تقدر بنحو 201 كيلومتر مربع خلال أيام قليلة، في أكبر مكسب ميداني لها منذ هجومها المضاد في صيف 2023، وفق تحليلات ميدانية حديثة.

وبين تفاؤل حذر وضغوط متبادلة واستمرار القتال، تبقى محادثات جنيف اختبارا جديدا لقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الحرب إلى البحث الجدي عن تسوية سياسية توقف نزيفا بشريا واقتصاديا غير مسبوق في القارة الأوروبية منذ عقود.

وكالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى