
تواصل الدبلوماسية المغربية تحقيق مكاسب متتالية في ملف الصحراء، مع اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، في مؤشر يعكس التحول المتسارع في مواقف المجتمع الدولي تجاه هذا النزاع الإقليمي. ويؤكد هذا المسار أن المبادرة المغربية باتت تترسخ تدريجيا كالإطار المرجعي الأكثر حضورا في النقاش الدولي حول تسوية الملف.
وجاءت أحدث هذه التطورات بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من إعلان رومانيا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع، لتلتحق بها كل من غانا والبنين، اللتان جددتا دعمهما الصريح للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويعكس هذا التزامنا متزايدا، لا سيما داخل القارة الإفريقية، بالمقاربة التي يقترحها المغرب لإنهاء النزاع.
ويكتسي الموقف الغاني أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل السياسي والدبلوماسي الذي تتمتع به أكرا في غرب إفريقيا. فغانا تعد من أكثر الديمقراطيات استقرارا في القارة، وتضطلع بدور مؤثر داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، كما تحظى بحضور وازن في قضايا السلم والأمن الإقليميين. ومن ثم، فإن اعتبارها مخطط الحكم الذاتي “الأساس الواقعي والمستدام الوحيد” للتوصل إلى تسوية مقبولة للنزاع يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، ويحمل رسائل سياسية موجهة إلى محيطها الإقليمي والقاري.
ويكتسب هذا الموقف بعدا إضافيا لصدوره ضمن بيان مشترك عقب مباحثات وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الغاني صامويل أوكودزيتو أبلاكوا، حيث أكدت غانا دعمها للمبادرة المغربية، وأشادت بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يكرس مواصلة العملية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، مع اعتبار مبادرة الحكم الذاتي أرضية جادة وواقعية للتوصل إلى حل سياسي.
وفي الاتجاه ذاته، جددت جمهورية البنين دعمها الثابت للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي، ووصفتها بأنها الحل الوحيد ذي المصداقية والواقعية. ولم يقتصر الموقف البنيني على البعد السياسي، بل اتخذ طابعا عمليا من خلال إعلان وزيرة الخارجية البنينية عزمها زيارة مدينة الداخلة للاطلاع على الدينامية التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، إلى جانب الاتفاق على عقد الدورة المقبلة للجنة المشتركة المغربية-البنينية بمدينة الداخلة، بما يعكس توجها متزايدا نحو ترجمة المواقف السياسية إلى تعاون ميداني.
وتأتي هذه المواقف مباشرة بعد إعلان رومانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، دعمها الواضح للمبادرة المغربية، وهو ما يعكس تزامن اتساع التأييد الأوروبي والإفريقي للمقترح المغربي. كما يؤشر إلى أن التحرك الدبلوماسي للمملكة لم يعد يحقق مكاسب متفرقة، بل أصبح يراكم زخما متواصلا يعيد رسم خريطة الدعم الدولي لفائدة الطرح المغربي.
ويلاحظ في هذا السياق أن عددا متزايدا من الدول لم يعد يكتفي بوصف مبادرة الحكم الذاتي بأنها “جدية وذات مصداقية”، بل بات يعتمد توصيفات أكثر وضوحا، من قبيل اعتبارها “الأساس الوحيد” أو “الحل الواقعي والمستدام” لتسوية النزاع، وهو تطور يعكس انتقال مواقف دولية من الحياد التقليدي إلى تبني رؤية أكثر انسجاما مع المقترح المغربي.
ويرتبط هذا التحول بجملة من العوامل، في مقدمتها الحضور الاقتصادي والاستثماري المتنامي للمغرب في إفريقيا، وما راكمه من شراكات استراتيجية في مجالات البنيات التحتية والطاقة والفلاحة والتكوين، فضلا عن الدبلوماسية الاقتصادية التي عززت مكانة المملكة كشريك موثوق لدى العديد من الدول الإفريقية.
كما أسهمت المبادرات الاستراتيجية التي أطلقها المغرب، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي ومبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، في ترسيخ صورة المملكة كفاعل إقليمي يقدم مشاريع تنموية عابرة للحدود، وهو ما انعكس إيجابا على مواقف عدد من الدول تجاه قضية الصحراء.
وفي المقابل، تواصل الأطروحات الانفصالية فقدان زخمها على المستويين الإفريقي والدولي، مع تنامي القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لإنهاء نزاع طال أمده، خاصة في ظل الدعم الذي تحظى به من مجلس الأمن وعدد متزايد من الشركاء الدوليين.
وتؤكد المواقف المتلاحقة الصادرة عن غانا والبنين، عقب الإعلان الروماني، أن الدبلوماسية المغربية دخلت مرحلة جديدة تقوم على توسيع قاعدة التأييد الدولي للمبادرة المغربية، ليس فقط عبر حشد مواقف سياسية داعمة، وإنما أيضا من خلال تحويل هذا الدعم إلى شراكات اقتصادية ومؤسساتية ومشاريع تنموية، بما يعزز الحضور العملي للمملكة في أقاليمها الجنوبية ويكرس مبادرة الحكم الذاتي كالإطار المرجعي الأكثر حضورا في مسار التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة.




