الرئيسيةجهات وأقاليمحوادث

زلزال العقار بفاس: “مافيا” الأراضي السلالية في قبضة جنايات الأموال

تواصل غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بفاس، تدقيقها في واحدة من أعقد قضايا الفساد العقاري التي هزت العاصمة العلمية مؤخرا، حيث يتابع في هذا الملف الثقيل أحد عشر متهما، من بينهم محام بهيئة فاس وعون سلطة برتبة “شيخ”، في قضية تتعلق بشبهة التلاعب في عقارات تابعة للجماعات السلالية، وتفويتها عبر مساطر يلفها الغموض.

تعود تفاصيل هذه النازلة إلى أبحاث دقيقة باشرتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، بناء على تعليمات صارمة من النيابة العامة، بعد رصد اختلالات في وثائق تعميرية وإدارية تخص أراضي شاسعة تخضع قانونا لوصاية وزارة الداخلية، ولا يمكن التصرف فيها إلا وفق شروط حصرية ومشددة تضمن حقوق ذوي الحقوق والمصلحة العامة.

إلا أن المعطيات المتوفرة تشير إلى وجود مخطط استهدف تحويل هذه الأرصدة العقارية إلى وعاء للاستثمار الخاص بعيدا عن الرقابة المؤسساتية.

وفي هذا السياق كشفت مجريات التحقيق التفصيلي أن الشبكة المفترضة اعتمدت استراتيجية “تبييض” الوضعية القانونية للعقارات، من خلال استصدار شواهد إدارية ووثائق إثبات لصفة “ذوي الحقوق” لأشخاص لا علاقة لهم بالجماعة السلالية المعنية، وذلك بتواطؤ محتمل مع عون سلطة كان يشرف على الدائرة الترابية التي تقع بها هذه الأراضي، بينما يواجه المحامي المتابع تهما تتعلق بإضفاء الصبغة القانونية على عقود عرفية واتفاقات تفويت، يشتبه في كونها وسيلة للتحايل على منع بيع الأراضي السلالية الذي يقره القانون رقم 62.17، وتتوزع صكوك الاتهام بين التزوير في محررات رسمية واستعمالها، والمشاركة في إعداد وثائق تتضمن معطيات غير صحيحة، بالإضافة إلى استغلال النفوذ لتحقيق منافع مادية على حساب الملك الجماعي الذي يعد ركيزة أساسية للأمن العقاري والاجتماعي في المنطقة.
وجدير بالذكر أن الجلسات الأخيرة عرفت نقاشات قانونية حادة، حيث ركز دفاع المتهمين على الدفع ببراءة موكليهم، معتبرين أن العمليات العقارية تمت في سياق معاملات مدنية صرفة، وأن المحامي قام بواجبه المهني في التوثيق دون نية جرمية، بينما شدد ممثل الحق العام على خطورة هذه الأفعال التي تمس بهيبة الإدارة وتعرقل جهود الدولة في هيكلة العقار السلالي وتثمينه، وأوضح أن تورط موظفين عموميين ومهنيين في مساعد القضاء يعطي للقضية بعدا يتجاوز مجرد جنحة عقارية إلى جناية تمس بالثقة العامة، كما أن استهداف الأراضي الواقعة في المدارات الحضرية والضواحي يعكس رغبة في تحقيق أرباح خيالية عبر تحويل أراض فلاحية جماعية إلى تجزئات سكنية غير قانونية، مما يساهم في تناسل البناء العشوائي وتشوهات النسيج العمراني للمدينة.
وقررت الهيئة القضائية تأجيل البت في الملف إلى جلسة التاسع من مارس المقبل، وذلك لمنح فرصة أخيرة لإحضار بعض الشهود الرئيسيين واستكمال المرافعات الختامية، وسط ترقب كبير من طرف الهيئات الحقوقية وجمعيات ذوي الحقوق التي نصبت نفسها طرفا في النزاع، وتعتبر هذه المحاكمة اختبارا حقيقيا لمدى صرامة القضاء في مواجهة “مافيات العقار” التي تستغل الثغرات المسطرية للسطو على أراضي الجموع، وفي انتظار النطق بالحكم، تظل قرينة البراءة هي الأصل بالنسبة لجميع المتابعين، في حين يبقى الملف مفتوحا على احتمالات كشف امتدادات أخرى لهذه الشبكة، خاصة وأن التحقيقات ألمحت إلى وجود تقاطعات مع ملفات عقارية أخرى لا تزال قيد البحث والتحري لدى المصالح المختصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى