
لم يكن إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر مجرد نتيجة مباشرة لسقوط التدابير الحكومية المرتبطة بأزمة السكن في البرلمان، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من تآكل هامش المناورة السياسية لحكومة تقوم على أغلبية برلمانية شديدة الهشاشة.
فبعد عجز الحكومة عن تمرير إجراءات تعتبرها أساسية لمعالجة أزمة السكن، في ظل توحد أصوات المعارضة وبعض حلفائها السابقين ضدها، أصبح استمرار الولاية حتى موعدها الأصلي في 2027 أكثر صعوبة. ووجد سانشيز نفسه أمام خيارين: مواصلة الحكم بأقلية تواجه صعوبات متزايدة في تمرير أجندتها، أو العودة إلى صناديق الاقتراع بحثاً عن أغلبية جديدة. وقد اختار الخيار الثاني، محدداً 29 نونبر موعداً للانتخابات.
لكن اختزال الأزمة السياسية الإسبانية في ملف السكن وحده يحجب تحولات أعمق. فالحكومة الاشتراكية تواجه منذ أشهر ضغوطاً متراكمة مرتبطة بالهجرة والأمن والعلاقة مع الأقاليم والفساد، فضلاً عن صعوبة الحفاظ على التحالفات البرلمانية التي سمحت لها بمواصلة الحكم.
وفي هذا السياق، برزت سبتة، ومعها مليلية، باعتبارهما نقطتين شديدتي الحساسية في المعادلة السياسية الإسبانية، ليس فقط بسبب موقعهما الجغرافي، وإنما أيضاً لوقوعهما في قلب علاقة مع المغرب تتداخل فيها قضايا الحدود والهجرة والتجارة والأمن والسيادة.
وقد أعادت أزمة سبتة الأخيرة الملف المغربي إلى صدارة النقاش الداخلي الإسباني، بعدما كان يُنظر إليه أساساً باعتباره ملفاً من ملفات السياسة الخارجية. وتحولت تداعيات الأزمة إلى مادة سياسية استثمرتها قوى المعارضة، خصوصاً اليمين واليمين المتطرف، في انتقاد طريقة تدبير الحكومة لملفات الحدود والهجرة.
وفي 26 شتنبر، شهدت المدينة تظاهرة رفعت شعارات مرتبطة بوقف ما وصفته بـ«الغزو» والدفاع عن إسبانيا، بينما تحولت قضية المهاجرين والقاصرين غير المصحوبين إلى محور إضافي للصراع بين الحكومة المركزية والحزب الشعبي وحزب فوكس.
وفي خضم هذه التداعيات، جاءت استقالة ممثل الحكومة الإسبانية في سبتة لتزيد من حدة الضغوط السياسية والإعلامية على السلطة التنفيذية في مدريد.
وهنا تحديداً تظهر حساسية موقع المغرب في المعادلة الإسبانية. فالمغرب ليس مجرد جار جنوبي لإسبانيا، بل هو الطرف المقابل لمدينتي سبتة ومليلية، كما أن التعاون بين الرباط ومدريد في مجالات الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد المكونات الأساسية للعلاقة الثنائية.
وبالتالي، فإن أي اضطراب على الحدود أو ارتفاع في تدفقات الهجرة يمكن أن ينتقل بسرعة من كونه ملفاً ميدانياً أو دبلوماسياً إلى قضية سياسية داخل إسبانيا، حتى عندما لا تكون الحكومة الإسبانية الطرف الوحيد المسؤول عن تطوراتها.
وقد اضطرت حكومة سانشيز إلى التعامل مع هذه الحساسية خلال أزمة سبتة، حيث طلبت مدريد توضيحات من الرباط بشأن ما جرى، في وقت أكدت فيه الحكومة الإسبانية عدم امتلاكها أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط أو نفذ التدفق بشكل متعمد. وفي الوقت نفسه، شدد سانشيز على تمسك حكومته بسبتة ومليلية وعلى ضرورة تعزيز التعاون المؤسسي مع المدينتين.
ومع ذلك، يبقى من غير الدقيق القول إن «المغرب أسقط حكومة سانشيز». فالعامل المباشر الذي قاد إلى قرار الذهاب إلى انتخابات مبكرة كان الأزمة البرلمانية المتراكمة وعجز الحكومة عن ضمان تمرير تشريعاتها الأساسية، وفي مقدمتها التدابير المرتبطة بالسكن.
أما أزمة سبتة والعلاقة مع المغرب، فقد شكلتا عامل ضغط إضافياً، وأسهمتا في تعميق النقاش حول قدرة الحكومة على حماية الحدود وإدارة الهجرة، وهما ملفان شديدا الحساسية في السياسة الإسبانية، خصوصاً مع صعود اليمين واليمين المتطرف.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن «الجوار الصعب» مع المغرب أصبح متغيراً يمكن أن يؤثر في السياسة الداخلية الإسبانية، لكن ليس باعتباره محدداً وحيداً لبقاء الحكومات أو سقوطها.
فإسبانيا تواجه في الوقت نفسه أزمة في القدرة على تحمل تكاليف السكن، وضغوطاً مرتبطة بالهجرة، واستقطاباً سياسياً متزايداً، ومنافسة حادة بين اليمين واليسار، بينما قامت حكومة سانشيز منذ البداية على توازنات برلمانية دقيقة.
غير أن الموقع الجغرافي للمغرب يجعل بعض الأزمات المرتبطة به أسرع انتقالاً من السياسة الخارجية إلى السياسة الداخلية مقارنة بملفات أخرى. وتكمن المفارقة في أن العلاقة مع الرباط أصبحت في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر مخاطرة بالنسبة إلى الحكومات الإسبانية.
فمن جهة، تحتاج مدريد إلى التعاون مع المغرب في الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والتجارة والطاقة، ومن جهة أخرى يمكن لأي اضطراب في الحدود أو في التعاون الميداني أن يتحول إلى مادة انتخابية يستثمرها خصوم الحكومة.
وكلما اقترب موعد الانتخابات، تصبح ملفات سبتة ومليلية والهجرة أكثر قابلية للتوظيف السياسي، خصوصاً من جانب الأحزاب التي تبني جزءاً من خطابها على الأمن والحدود والسيادة الوطنية.
أما مليلية، التي ظلت تاريخياً إلى جانب سبتة إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في العلاقة المغربية الإسبانية، فتظل حاضرة في هذه المعادلة حتى عندما لا تكون في قلب الأزمة الآنية. فوجود المدينتين في شمال إفريقيا يجعل العلاقة مع المغرب مرتبطة باستمرار بأسئلة الحدود والجمارك والهجرة والسيادة.
ولهذا، لم يعد مستقبل العلاقة مع الرباط شأناً يخص وزارة الخارجية وحدها، بل بات مرتبطاً أيضاً بحسابات الداخلية والأمن والأحزاب والانتخابات المحلية والوطنية.
وخلال السنوات الأخيرة، حاولت حكومة سانشيز تحويل العلاقة مع المغرب من علاقة أزمات متكررة إلى شراكة استراتيجية، وهو خيار أفضى إلى تعزيز التعاون في مجالات الأمن والهجرة والتجارة. لكن هذه الشراكة تحمل مفارقة سياسية واضحة: كلما ازدادت أهمية التعاون مع المغرب، ازدادت حساسية أي أزمة تقع على الحدود أو في ملف الهجرة، لأن قدرة الحكومة على إدارة العلاقة مع الرباط باتت مرتبطة، في نظر خصومها، بقدرتها على حماية المصالح الإسبانية.
ومن هنا يمكن فهم الانتخابات المقبلة باعتبارها اختباراً يتجاوز ملف السكن. فالناخب الإسباني سيتوجه إلى صناديق الاقتراع في 29 نونبر في بيئة سياسية تتقاطع فيها أزمة السكن والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة مع الهجرة وأمن الحدود والعلاقة مع المغرب، إلى جانب ملفات الفساد وأزمة الأغلبية البرلمانية.
وقد أعلن سانشيز حاجته إلى أغلبية تقدمية أوسع حتى يتمكن من تنفيذ الإصلاحات التي تقول حكومته إنها تعذر تمريرها بسبب تركيبة البرلمان الحالية.
وإذا كان من الخطأ القول إن المغرب أسقط حكومة سانشيز، فمن الخطأ المقابل تجاهل أن الجوار المغربي أصبح عاملاً سياسياً لا يمكن للحكومة الإسبانية تجاهله. فقد أظهرت أزمة سبتة مرة أخرى أن الحدود الجنوبية لإسبانيا ليست مجرد ملف أمني أو دبلوماسي، وإنما نقطة تتقاطع عندها الهجرة والاقتصاد والأمن والسيادة والانتخابات.
وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المغرب قد أسقط حكومة إسبانية، وإنما ما إذا كانت الحكومات الإسبانية المقبلة ستتمكن من بناء علاقة مستقرة مع الرباط تجعل الجوار عامل استقرار وتعاون، بدل أن يتحول كل اضطراب فيه إلى وقود للصراع السياسي الداخلي.
وفي هذا المعنى، قد تشكل انتخابات 29 نونبر محطة لإعادة تعريف العلاقة بين السياسة الداخلية الإسبانية والسياسة تجاه المغرب. فإذا أفرزت أغلبية مستقرة، فقد تسعى مدريد إلى مواصلة منطق الشراكة مع الرباط مع تشديد الضوابط الحدودية. أما إذا أسفرت عن صعود أكبر لليمين واليمين المتطرف، فقد تصبح ملفات سبتة ومليلية والهجرة والمغرب أكثر حضوراً في الخطاب السياسي والحكومي.
وفي كلتا الحالتين، بات واضحاً أن المغرب لم يعد مجرد ملف في أجندة السياسة الخارجية الإسبانية، بل أصبح جزءاً من الحسابات السياسية التي تؤثر في شكل الحكم في مدريد وقدرته على إدارة أزماته الداخلية.




