الرئيسيةكتاب الرأيمن الزيرو... مع نهرو...

سفيان نهرو *: فضيحة الـ 11 كيلومتر: عندما تستقيل نرويجية من أجل مسافة “توصيلة” ويصمد مغربي فوق جبل من الفساد

في بلاد “الفايكنج” الباردة، حيث القانون أنصع من الثلج، اهتزت أركان البرلمان النرويجي لأن السيدة إيفا كريستين هانسن أخطأت في تقدير المسافة، سكنت في شقة الدولة وهي تبعد عن مقر عملها بـ 29 كيلومتر فقط، بينما “الشرع” النرويجي يفرض 40 كيلومتر، الفرق 11 كيلومتر كانت كافية لتمسح السيدة وجهها بـ “شرويطة” الاستقالة، وتعتذر للشعب، وتعود لبيتها مطأطأة الرأس، في بلد يملك فائض ميزانية يشتري قارة بأكملها، لكنه لا يشتري كرامة القانون.

في بلادنا السعيدة، “بلاد الشاي والزيتون والريع المضمون والتبوريدة”، فإن المسافات لا تقاس بالكيلومترات بل بحجم “الهمزة” وطول “اليد” وعرض “الأكتاف” السياسية، هنا، تضارب المصالح ليس جريمة، بل هو “ذكاء اجتماعي” و”حنكة مقاولاتية”.

المسؤول عندنا يجلس في كرسيه الوثير، يشرع القوانين الضريبية بيمينه، ويوقع الصفقات لشركاته بيساره، وإذا سألته عن “تضارب المصالح”، ينظر إليك باستغراب وكأنك تتحدث “السنسكريتية”، ثم يبتسم في وجه الكاميرا ليحدثنا عن “الوطنية” و”تخليق الحياة العامة” وهو يبتلع الأخضر واليابس.

التضارب الضريبي في المغرب قصة حب عنترية، دون العف عن الغنيمة…. المواطن البسيط الذي يبيع “النعناع” تطارده الضرائب حتى في أحلامه، بينما “الحيتان الكبيرة” تفصل القوانين على مقاس خصورها، تهرب الأموال، تملص ضريبي “قانوني”، وعفو وراء عفو.

والريع؟ آه من الريع، لقد صار في بلادنا حقا دستوريا غير مكتوب، رخص الصيد، مقالع الرمال، المأذونيات، وتفويت الأراضي العمومية بـ “ثمن بخس” لفلان وابن فلان، وكأن المال العام “ورثة” تركتها لهم جدتهم، وليست عرق جبين شعب يصارع الغلاء صباح مساء.

الفساد عندنا ليس “انحرافا”، بل هو “سيستم” متكامل الأركان، يحميه جيش من “المطبلين” وستار من “رهاب المساءلة”، والتهريب الشعبوي ل” قانون تجريم الإثراء غير المشروع …”في النرويج تسقط الرؤوس بسبب شقة، وفي المغرب لا تسقط الرؤوس حتى لو سقطت القناطر، وهدت الدور فوق الناس، وأغرفت السيول البيوت والناس، وعرت تقارير العدوي، كل الفساد الكامن في مفاصل التدبير المختل.

في المغرب… تجف السدود، وتختفي الملايير في ثقوب “المخططات الاستعجالية” السوداء،  لكن المسؤول المغربي لديه جلد “تمساح” ودم “بارد”، لا يستقيل، لا يعتذر، ولا يرف له جفن، بل قد يخرج في “تيك توك” ليعلمنا كيف نصبر على الفقر بينما هو يراكم الثروات من عرق “السي بوعزة” و”للا زهرة”.
هذا الفرق بيننا وبينهم ليس في الجغرافيا، بل في “الشهامة السياسية”، هناك، المسؤول يخدم الدولة، وهنا، الدولة تخدم المسؤول، هناك، القانون “سيف” على رقبة الجميع، وهنا، القانون “ستارة” يختبئ خلفها اللصوص، 11 كيلومتر نرويجية علمتنا أن الشعوب تحترم من يحترم ميزانيتها، أما نحن، فما زلنا ننتظر أن يستيقظ ضمير من يرى في المال العام “غنيمة باردة” وفي المواطن “رقم ضريبي” لا يحق له السؤال.

* إعلامي وباحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى