
لم يكن رأي مجلس المنافسة حول إمكانية السماح بإنشاء ما يسمى بـ«سلاسل الصيدليات» مجرد رأي دون خلفية اقتصادية، بل بدا، في نظر الصيادلة، كحجر ألقي في مياه راكدة ليكشف هشاشة توازن دقيق ظل قائماً لعقود داخل المنظومة الدوائية بالمغرب.
فخلف لغة الأرقام والمنافسة، يلوح سؤال أعمق: هل يراد إصلاح القطاع فعلا، أم إعادة صياغته على حساب الصيدلي الذي ظل، رغم الإكراهات، آخر خط تماس مباشر بين الدولة والمواطن في الحق في العلاج؟
الصيدلي المغربي لم يكن يوما تاجرا بالمعنى الضيق للكلمة، بل فاعلا صحيا يؤدي وظيفة اجتماعية قبل أن تكون اقتصادية. صيدلية الحي، في المدن كما في القرى، لم تبن بمنطق الربح السريع، بل بمنطق القرب والاستمرارية، حيث يفتح الصيدلي أبوابه في ساعات متأخرة، ويؤمن الدواء حتى في أصعب الظروف، ويراكم ديونا صامتة حفاظا على صحة المرضى.
من هذا المنظور، ينظر إلى مشروع السلاسل باعتباره تهديدا مباشرا لهذه الفلسفة، ومحاولة لتحويل مهنة إنسانية إلى نشاط تجاري محض تحكمه حسابات المساهمين لا ضمير المهنة.
الدفاع عن الصيادلة اليوم ليس دفاعا عن امتيازات، بل عن نموذج صحي أثبت، رغم ضعفه، قدرته على ضمان حد أدنى من التوازن المجالي والاجتماعي. فالسماح لمستثمرين بامتلاك شبكات صيدلانية واسعة، وتحويل الصيادلة إلى مجرد أجراء، يعني عمليا تجريدهم من استقلاليتهم العلمية والمهنية، وربط القرار العلاجي بمنطق الربحية. وهو مسار، إن تحقق، سيجعل الصيدلي الحلقة الأضعف داخل منظومة يسيطر عليها رأس المال، بعد أن كان ضميرها المهني.
التجارب الدولية التي يستدل بها لتبرير هذا التوجه تغفل عمدا الفوارق البنيوية. ففي بلدان تسمح بالسلاسل، تحيط المهنة بشبكة أمان قانونية واجتماعية صارمة، وتتكفل الدولة بضمان التوزيع العادل للخدمات والأدوية، بما فيها غير المربحة.
أما في السياق المغربي، حيث الصيدلي يواجه وحده ضغط الأسعار، وارتفاع الكلفة، وتراجع الهوامش، فإن فتح الباب أمام السلاسل دون حماية حقيقية، لن يكون سوى وصفة لإقصاء الصيدليات المستقلة، لا لتحديث القطاع.
إن الصيادلة الذين يدقون ناقوس الخطر لا يعارضون الإصلاح، بل يرفضون أن يكونوا وقوده. فهم أول من طالب بمراجعة منظومة التسعير، وبمحاربة الاحتكار الحقيقي في مسار الدواء، وبضمان ولوج عادل وآمن للعلاج. لكنهم في المقابل يرفضون أن يُقدَّموا كعقبة أمام التحديث، أو أن يُحمَّلوا كلفة اختيارات لم يشاركوا في صياغتها، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام لوبيات قادرة على امتصاص السوق وفرض شروطها.
مستقبل الصيدلي، في ظل هذا التوجه، يبدو معلقا بين الدفاع عن كرامة المهنة، والخوف من الانزلاق نحو التهميش. ومع كل صيدلية مهددة بالإغلاق، لا يهدد مشروع فردي فقط، بل تهدد شبكة أمان صحية غير مرئية، حافظت على التوازن في أحياء ومناطق لم تكن يوما جذابة للاستثمار. من هنا، يصبح الدفاع عن الصيادلة دفاعا عن المواطن نفسه، وعن حقه في دواء قريب، آمن، ومتاح، لا تحكمه خرائط الربح والخسارة.
لا يمكن لأي إصلاح حقيقي أن يبنى على إضعاف من حملوا عبء المنظومة لسنوات بصمت. الصيدلي ليس مشكلة القطاع، بل أحد حلوله. وأي رؤية للمستقبل لا تنطلق من حماية دوره واستقلاليته، إنما تُراكم أعطاباً جديدة، وتُحوّل الدواء من رسالة صحة إلى مجرد سلعة في واجهات لامعة.




