الرئيسيةمجتمع

شكايات متزايدة من سوء معاملة مراقبي الحافلات للمخالفين وانتشار الكلام السيئ داخل المركبات يثير غضب الركاب

ابراهيم رامي

تصاعدت في الآونة الأخيرة شكايات المواطنين بالدار البيضاء بخصوص تعامل بعض مراقبي الحافلات مع المخالفين، حيث يشتكي العديد من الركاب من تجاوزات لفظية وأسلوب فظ يصل حد الإساءة والكلام السيئ داخل الفضاء المغلق للحافلة، مما يحول رحلة التنقل اليومية من حق مشروع إلى تجربة مزعجة تزرع التوتر بين المسافرين. هذه الظاهرة أعادت إلى الواجهة ملف العلاقة بين أعوان المراقبة والمواطن، وأثارت نقاشا واسعا حول حدود الصلاحيات وأخلاقيات المهنة في مرفق حيوي يلامس حياة ملايين البيضاويين يوميا.

الواقعة تتكرر بشكل شبه يومي داخل حافلات النقل الحضري بمختلف الخطوط، حيث يتحول ضبط تذكرة منتهية الصلاحية أو نسيان بطاقة الاشتراك إلى مواجهة كلامية حادة تنتهي بعبارات نابية تطلق أمام مرأى ومسمع الركاب، أطفالا ونساء وشيوخا. المخالف لا شك أنه يتحمل مسؤولية عدم احترام قوانين التذاكر، لكن المعاملة المهينة والصراخ داخل فضاء ضيق تخلق حالة من الفوضى وتربك الجو العام للحافلة. الراكب الذي كان ينتظر تدخلا قانونيا محترما يجد نفسه أمام مشهد يسيء للجميع، للمخالف وللمراقب ولصورة المرفق العمومي ككل. فالمواطن البسيط الذي يدفع ثمن التذكرة ويصعد للحافلة بحثا عن الراحة والتنقل الآمن يفاجأ بأن عليه أن يختار بين تحمل الإهانة أو النزول قبل وجهته.

مصادر من داخل الحافلات أكدت أن أسلوب بعض المراقبين في التعامل مع المخالفات لم يعد يقتصر على تطبيق القانون، بل تجاوزه إلى التشخيص الشخصي والتجريح اللفظي الذي يجرح كرامة الراكب أمام الآخرين. الكلام السيئ الذي يطلق داخل الحافلة لا يردع المخالف بقدر ما يشحن الأجواء بالغضب ويدفع باقي الركاب للتدخل والدفاع، فتتحول عملية المراقبة البسيطة إلى فوضى وعراك لفظي يصعب السيطرة عليه. هذا الوضع يسيء لسمعة شركة النقل الحضري ويضرب في العمق مبدأ احترام كرامة المواطن الذي يعتبره الدستور والقانون أساس التعامل بين الإدارة والمرتفق.

إن مهنة مراقب الحافلة مهنة حساسة تتطلب تكوينا سلوكيا قبل التكوين التقني، لأن المراقب هو وجه الشركة أمام المواطن وهو أول من يصطدم يوميا بحالات الغضب والتملص ومحاولات الغش. لذلك فالقانون واضح في منح المراقب سلطة تحرير المخالفة وطلب تدخل السلطات عند الرفض، لكنه لم يمنحه أبدا سلطة إهانة الكرامة الإنسانية أو استعمال عبارات مسيئة تخرج عن إطار المهنة. فالردع الحقي يكون بتطبيق المسطرة القانونية بكل حزم واحترام، لا بالصراخ والشتم الذي يفقد المراقب هيبته ويحوله من موظف عمومي إلى طرف في النزاع.

ساكنة الدار البيضاء عبروا عن استيائهم من تكرار هذه المشاهد داخل الحافلات، وطالبوا شركة النقل الحضري والمصالح الوصية بمراجعة برامج التأطير والتكوين التي يستفيد منها مراقبو الحافلات. فالمواطن لا يرفض أداء الغرامة عند مخالفته، لكنه يرفض أن تؤدى الكرامة ثمنا إضافيا مع الغرامة. عدد من الركاب أشادوا بنماذج من المراقبين الذين يجمعون بين الحزم واللباقة، ويتعاملون مع المخالف بصرامة قانونية دون تجريح أو إساءة، مؤكدين أن الاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لضمان انسيابية الخدمة وفرض النظام داخل الحافلة.

إن ما يقع داخل حافلات الدار البيضاء يطرح سؤالا جوهريا حول أخلاقيات الوظيفة العمومية وحدود السلطة التقديرية للموظف. فالمرفق العام ليس ملكا للموظف ولا للمواطن، بل هو فضاء مشترك تحكمه قواعد الاحترام المتبادل. وإذا كان القانون يعاقب على التهرب من الأداء، فإن الأخلاق والمهنية تعاقبان على إهانة الإنسان. لذلك فالمسؤولية تقع على عاتق الإدارة لمراقبة سلوك أعوانها في الميدان، وعلى المراقبين أنفسهم لاستيعاب أن هيبتهم لا تأتي من الصوت العالي بل من احترامهم للقانون واحترامهم للمواطن.

التعامل الحازم مع المخالفين ضرورة لا ينكرها أحد، لأن فوضى التهرب من التذكرة تكلف الشركة والمدينة خسائر كبيرة وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الملتزمين والمتجاوزين. غير أن الحزم لا يعني التسلط، والصرامة لا تعني الإهانة. فالمغربي الذي يصعد للحافلة كل صباح متوجها إلى عمله أو جامعته يستحق معاملة تليق بكرامته، حتى وهو يخالف. فالهدف من المراقبة هو تقويم السلوك وتحصيل حق الشركة، وليس الانتقام اللفظي أو خلق عداوة يومية بين الموظف والمواطن.

إن شركة النقل الحضري مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى فتح قنوات التواصل مع الركاب، وإلى تفعيل آليات الشكاية والمراقبة الداخلية لضبط تجاوزات بعض الأعوان. كما أن وضع كاميرات مراقبة داخل الحافلات وتفعيل خط أخضر للتبليغ الفوري عن الإساءات اللفظية قد يكون خطوة مهمة لضبط سلوك الطرفين معا. فالمواطن مطالب باحترام قانون التذكرة، والمراقب مطالب باحترام قانون الكرامة، وبينهما يجد المرفق العمومي توازنه واستمراريته.

في الأخير تبقى صورة مراقب الحافلة مرآة تعكس مدى تقدم الإدارة المغربية في تعاملها مع المواطن. فحين يكون المراقب نموذجا في الحزم واللباقة معا، يربح الجميع ويربح القانون وتربح هيبة المرفق العام. وحين يتحول إلى مصدر للفوضى اللفظية داخل الحافلة، يخسر الجميع وتخسر الثقة التي بنيت بصعوبة بين المواطن والإدارة. لذلك فإعادة تأهيل العلاقة داخل الحافلة ليست رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان أن تبقى حافلات الدار البيضاء وسيلة نقل للكرامة قبل أن تكون وسيلة نقل للأجساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى