كتاب الرأي

عبد الكبير اخشيشن، اترك النقابة قبل أن يصبح الكرسي عبئا على تاريخها

ليست القضية أن يتقاعد عبد الكبير اخشيشن، فالتقاعد ليس عيبا، ولا هو انتقاص من قيمة الإنسان أو من حصيلة عطائه. القضية أن يظل المتقاعد متشبثا بموقع يفترض أن يستمد مشروعيته من ممارسة مهنية نشطة، في وقت انتهى فيه الأمر، وفق المعطيات التي أثيرت في هذا الملف، إلى تجريده قضائيا من عضوية المجلس الوطني للصحافة. هنا تحديدا تتسع المسافة بين تدبير نقابة يفترض أن تحرس أخلاقيات المهنة، وبين واقعة قضائية تضع شروط الترشح والوثائق المقدمة له تحت مجهر المساءلة.

ما يثير السؤال ليس مجرد شهادة عمل مختلة، ولا الصيغة الإدارية التي اتخذتها، ولا حتى ما إذا كانت قد استوفت شكلياتها. السؤال الأعمق هو: كيف أمكن أن تتحول وثيقة يفترض أن تثبت وضعا مهنيا إلى حلقة في مسار انتهى بإسقاط العضوية، بينما تظل صفة «متقاعد» قائمة بوصفها حقيقة مهنية لا تمحوها شهادة، ولا يعيد ترتيبها توقيع، ولا تنقذها صياغة إدارية؟ لا بد هنا من التمييز بين ما أثبته الحكم القضائي فعلا، وما يستنتجه النقاش العام من وقائع الملف، لكن ذلك لا يلغي السؤال عن المسؤولية السياسية والمهنية المترتبة على هذه الواقعة.

المصداقية لا تُستخرج من شهادة عمل تغرق في صفة متعاون، ويالها من صفة لا تليق برئيس نقابة… والشفافية لا تتحقق بمجرد تقديم وثيقة، بل بوضوح الوضعية المهنية التي تبرر الترشيح، وبالتطابق بين الحقيقة الإدارية والصورة التي يقدمها المرشح عن نفسه. وحين تصبح الوثيقة موضع نزاع، ثم ينتهي المسار إلى قرار قضائي بتجريد صاحبها من عضوية مؤسسة وطنية، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتدبير الأضرار، بل تقديم توضيح كامل للرأي العام المهني، ومساءلة الاختيارات التي أوصلت الملف إلى هذه النهاية.

والأكثر إحراجا أن الأمر يتعلق برئيس نقابة صحفية، لا بمترشح عابر لا تربطه بالمهنة سوى بطاقة أو وثيقة. فرئيس النقابة لا يمثل نفسه وحده، بل يحمل معه تاريخ تنظيم، وتفويض أعضائه، وصورة الصحفيين الذين يفترض أن يدافع عن حقوقهم واستقلاليتهم وكرامتهم. لذلك فإن ما قد يبدو تفصيلا إداريا في ملف فردي يمكن أن يتحول إلى أزمة مصداقية حين يتعلق الأمر بمن يتصدر هيئة مهنية يفترض أن تكون الشفافية فيها قاعدة داخلية قبل أن تصبح مطلبا موجها إلى الآخرين.
وهنا لا يعود ممكنا الفصل بسهولة بين تدبير النقابة وتداعيات القرار القضائي.

ليس لأن إسقاط العضوية من المجلس الوطني للصحافة يسقط آليا رئاسة النقابة، فلكل موقع شروطه ومساطره، بل لأن القيادة المهنية لا تعيش في فراغ قانوني وأخلاقي. قد يظل الموقع قائما من الناحية التنظيمية، لكن ذلك لا ينهي السؤال عن الثقة، ولا يعفي صاحبه من واجب تقديم تفسير مقنع، ولا يمنع أعضاء النقابة من مناقشة مدى ملاءمة استمراره في القيادة في ضوء ما وقع.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المسألة إلى تمرين في البحث عن المخارج الشكلية: شهادة هنا، وتأويل هناك، وفصل بين المواقع كلما اقتربت المساءلة من أحدها. عندئذ تصبح الشكليات درعا يحتمي به المسؤول، بدلا من أن تكون ضمانات لحماية المؤسسة.

وتغدو القواعد جامدة حين يتعلق الأمر بمحاسبة القيادة، ومرنة حين يتعلق الأمر ببقائها. وهذه بالضبط هي الثقافة التنظيمية التي أضعفت قطاعات واسعة من العمل النقابي في المغرب: ثقافة تجعل الموقع غاية، والتداول استثناء، والمحاسبة تهديدا، والاستقالة اعترافا بالهزيمة، مهما كان حجم الضرر الذي يلحقه التشبث بالمنصب بصورة المؤسسة.

لا ينبغي لعبد الكبير اخشيشن أن يستبطن هذه الثقافة أو يتماهى معها. لا عيب أن يتقاعد، ولا انتقاص من تاريخه المهني أن يفسح المجال لصحفيين ما زالوا يمارسون المهنة بنشاط، ويحملون أعباءها اليومية، ويعيشون تحولات مؤسساتها وأسئلتها. بل إن انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، هو ما يمنح التنظيم النقابي القدرة على تجديد نفسه، بدل أن يتحول إلى دائرة مغلقة تتداول فيها المواقع الوجوه نفسها، وتُدار فيها الأزمات بمنطق احتواء الضجيج لا معالجة أسبابه.

يا عبد الكبير اخشيشن، ليس مطلوبا منك أن تعتذر عن التقاعد، بل أن تدرك أن التقاعد نفسه قد يكون مناسبة نبيلة لتسليم المشعل. وليس مطلوبا منك أن تقر بما لم يثبته القضاء، بل أن تتحمل مسؤولية ما ترتب عن الواقعة من أسئلة تمس المصداقية والشفافية وصورة النقابة.

لهذا، فإن الانسحاب من رئاسة النقابة، في هذا السياق، يستحق أن يُطرح بوصفه اختيارا سياسيا وأخلاقيا ممكنا، لا عقوبة قضائية ولا إدانة مسبقة. استقالة هادئة، بلا مسرحية دفاعية، وبلا تحويل الرحيل إلى مظلومية جديدة، قد تتيح للنقابة أن تستعيد المبادرة، وأن تفتح نقاشا جديا حول شروط القيادة وتجديدها، وأن تثبت أن المؤسسة قادرة على مراجعة نفسها حين تصبح صورتها موضع سؤال.

إن الفروسية المهنية ليست في التشبث بالكرسي حتى تستنفد المؤسسة رصيدها من الثقة، بل في معرفة اللحظة التي يصبح فيها ترك الموقع مساهمة في حماية ما هو أكبر من صاحبه. والاستقالة، حين تصدر عن تقدير للمسؤولية، لا تعني بالضرورة الإقرار بتهمة، وإنما قد تعني الاعتراف بأن المصلحة العامة للتنظيم تتقدم على الرغبة الشخصية في الاستمرار.

انسحب، إذن، واترك للممارسين النشطين أن يتحملوا مسؤولية النقابة، وأن يجددوا دماءها، وأن يعيدوا بناء الثقة على قاعدة الوضوح والمحاسبة وتكافؤ الفرص. لا تجعل تاريخك الشخصي يتشابك إلى حد الالتباس مع تاريخ مؤسسة أقدم من رئاستك، ولا تترك النقابة أسيرة أزمة كان يمكن أن تتحول إلى لحظة مراجعة وتجديد.

فالتاريخ النقابي لا يحفظ للرؤساء عدد السنوات التي أمضوها في مواقعهم، بقدر ما يسجل قدرتهم على حماية مؤسساتهم من الشخصنة. وقد يكون أجمل ما يتركه المسؤول وراءه ليس مقعدا ظل يحتفظ به، بل بابا فتحه لغيره، وقاعدة أرسى بها حق التداول، ومؤسسة خرجت من عهده أقوى من ارتباطها باسمه.

غادر رجاء… لأن النقابة أكبر من أن تختزل في رئيسها، ولأن المصداقية لا تستعاد بالتشبث بالمواقع، ولأن الشفافية تبدأ حين يقبل المسؤول أن يخضع هو نفسه للأسئلة التي يطالب الآخرين بالإجابة عنها. تلك ليست نهاية تاريخك، بل فرصة لأن تختار بنفسك كيف تريد أن يُقرأ هذا الفصل منه… التجريد من عضوية المجلس تم في سياق… معقد طرح إشكالية ميثاق أخلاقي مواز…. عفوا لم تعد تصلح لقيادة نقابة… جرد رئيسها قضائيا… من عضوية مجلس الصحافة….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى