
أكد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، أن الصفقات العمومية أصبحت تشكل رافعة استراتيجية أساسية لتنزيل السياسات العمومية وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، متجاوزة بذلك دورها التقليدي المرتبط بالقانون الإداري والعقود الإدارية.
وأوضح محمد عبد النباوي، في كلمة خلال افتتاح دورة تكوينية حول “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”، أن هذه الآلية تمثل اليوم الوسيلة العملية التي تنتقل عبرها البرامج الحكومية من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، عبر إنجاز البنيات التحتية والمشاريع المهيكلة وتطوير الخدمات العمومية.
وأضاف أن النقاش حول الصفقات العمومية لم يعد محصورًا في إجراءات الإبرام والتنفيذ، بل أصبح مرتبطًا بقضايا أعمق تتعلق بفعالية الاستثمار العمومي وجودة التدبير وحسن توظيف الموارد وتسريع إنجاز المشاريع وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وسجل المسؤول القضائي أن منظومة الصفقات العمومية تحتل موقعًا محوريًا في السياسات العمومية، باعتبارها أداة رئيسية لتنزيل المشاريع التنموية وتحقيق العدالة المجالية والاستجابة لانتظارات المواطنين، مشددًا على أن تعزيز الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص يرفع من نجاعة هذه المنظومة وجودة نتائجها.
وأكد أن نجاح المشاريع العمومية لا يقاس فقط بسرعة الإنجاز أو حجم الاستثمارات، بل أيضًا بمدى احترامها للقواعد القانونية والمؤسساتية وقدرتها على تحقيق المصلحة العامة في إطار من الحكامة الجيدة وحماية المال العام.
وفي هذا السياق، أبرز محمد عبد النباوي أن رهانات الصفقات العمومية تنسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى ترسيخ الحكامة الجيدة وتحسين أداء الإدارة العمومية، مذكرًا بمضامين رسائل ملكية أكدت على النجاعة في التدبير وخدمة المواطن وتعزيز دولة القانون.
كما أوضح أن القضاء الإداري لم يعد يقتصر على الفصل في المنازعات، بل أصبح فاعلًا أساسيًا في تأطير العمل الإداري وترشيده عبر الاجتهاد القضائي، بما يساهم في تعزيز المشروعية وترسيخ الأمن القانوني.
وأشار إلى أن تطور تدخلات الإدارة فرض على القضاء مواكبة هذه التحولات عبر إرساء توازن بين متطلبات الفعالية الإدارية وضمانات القانون، خصوصًا في مجال الصفقات العمومية الذي تتقاطع فيه رهانات التنمية والشفافية والمنافسة.
وأضاف أن الاجتهاد القضائي الإداري ساهم في تطوير قواعد تؤثر في الممارسة الإدارية، من خلال توجيه العمل العمومي وتحديد حدود السلطة التقديرية للإدارة، إلى جانب دوره الوقائي في الحد من المنازعات وتعزيز اليقين القانوني.
واعتبر أن الرقابة القضائية على الصفقات العمومية تشكل ضمانة أساسية لحماية المال العام وترسيخ الثقة في المؤسسات، وليس عائقًا أمام فعالية الإدارة، بل عنصرًا داعمًا لحسن التدبير.
وختم بالتأكيد على أن استقرار الاجتهاد القضائي وتوحيد تفسير النصوص في هذا المجال يمثلان ركيزة لتعزيز الأمن القانوني ودعم مناخ الاستثمار، وبناء بيئة مؤسساتية قائمة على الوضوح والثقة والاستقرار.




