
لم تعد الناظور مجرد مدينة تقع على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بل باتت تستعد لمرحلة جديدة قد تعيد رسم موقعها داخل الخريطة الاقتصادية والصناعية للمغرب، في ظل اقتراب ميناء الناظور غرب المتوسط والمنصة الصناعية واللوجستية المرتبطة به من دخول مرحلة التشغيل.
هذا المشروع الاستراتيجي بدأ يلفت أنظار شركات دولية كبرى، وفي مقدمتها مجموعات صناعية صينية تبحث عن مواقع جديدة تتيح لها الاقتراب من الأسواق الأوروبية والاستفادة من شبكات التجارة العالمية، وهو ما يضع الناظور أمام فرصة للتحول إلى منصة صناعية ولوجستية ذات أهمية متزايدة على مستوى حوض المتوسط.
فالتحول المنتظر لا يتعلق فقط بإنشاء ميناء جديد، وإنما بتشكيل منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين الصناعة واللوجستيك والنقل والبنية التحتية المينائية، مستفيدة من موقع جغرافي يطل مباشرة على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ومن شأن هذه الدينامية أن تمنح الإقليم فرصة للانتقال من موقع ظل لسنوات بعيداً نسبياً عن المحاور الصناعية الكبرى للمملكة، إلى منصة قادرة على ربط الإنتاج الصناعي بالأسواق الأوروبية والإفريقية والدولية.
وتبرز الاستثمارات الصينية الأخيرة كأحد المؤشرات اللافتة على هذا التحول. فقد أعلنت شركة Ningbo Boway Alloy Material عن نقل مشروع صناعي لإنتاج شرائط السبائك المتخصصة من مدينة نينغبو الصينية إلى المغرب، باستثمار يتجاوز مليار يوان، وطاقة إنتاجية مستهدفة تناهز 30 ألف طن سنوياً.
ويأتي هذا المشروع في سياق التحولات التي تعرفها البيئة التجارية الدولية، ورغبة الشركة في الاقتراب من زبنائها في أوروبا وأمريكا الشمالية، فيما يعكس اختيار الناظور الرهان على موقعها الجغرافي وعلى الإمكانات التي ستوفرها منظومة الناظور غرب المتوسط.
ومن المنتظر أن تساهم البنية المينائية واللوجستية الجديدة في تسهيل تدفق المواد الأولية والمنتجات المصنعة، وربط الوحدات الصناعية مباشرة بخطوط النقل البحري والأسواق الخارجية.
ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، بعدما لم تتجاوز نسبة الإنفاق الفعلي على الاستثمار إلى غاية نهاية يونيو 2026 نحو 0.29 في المائة، مع تأجيل موعد دخوله الخدمة إلى دجنبر 2028، فإن أهميته تتجاوز حجمه الاستثماري، باعتباره مؤشراً على إمكانية بروز موجة جديدة من الاستثمارات الآسيوية في المنطقة.
وفي المنطقة الصناعية ببطوية، بدأت ملامح هذا التحول تظهر بصورة أوضح، من خلال استثمارات صناعية مرتبطة بشكل مباشر بسلاسل إنتاج جديدة.
فقد اختارت مجموعة Aeolon Technology إقامة مصنع ضخم لصناعة شفرات توربينات الرياح باستثمار يناهز 220 مليون يورو، وعلى مساحة تقارب 50 هكتاراً، مع توقعات بإحداث أكثر من ثلاثة آلاف منصب شغل.
وبالتوازي مع ذلك، شرعت شركة Daosheng Tianhe المتخصصة في إنتاج الراتنجات والمواد المستخدمة في صناعة شفرات توربينات الرياح في بناء مصنع جديد بالمنطقة نفسها، بطاقة إنتاجية مخططة تصل إلى 50 ألف طن سنوياً، واستثمار يقارب 30 مليون دولار.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى أن مصنع Daosheng Tianhe سيكون من بين الموردين المحتملين لمصنع Aeolon المجاور، بما يعكس بداية تشكل ترابط صناعي داخل المنطقة.
وهذا النوع من الاستثمارات يكتسي أهمية خاصة، لأنه يشير إلى أن الناظور لا تستقطب فقط مصانع منفردة، وإنما بدأت تجذب مشاريع يمكن أن تتكامل فيما بينها ضمن سلاسل إنتاج صناعية تشمل المنتجين والموردين والخدمات اللوجستية والنقل.
وتزداد أهمية هذه الدينامية مع دخول ميناء الناظور غرب المتوسط إلى المعادلة، إذ يمكن للميناء والمنصة الصناعية واللوجستية المحيطة به أن يوفرا للشركات المستقرة بالمنطقة منفذاً مباشراً نحو طرق التجارة البحرية، بما يساهم في تقليص كلفة النقل وتسريع وصول المنتجات إلى الأسواق الأوروبية والدولية.
كما أن الربط السككي المرتبط بالميناء سيعزز قدرة المنطقة على نقل البضائع وربطها بالشبكة الوطنية، وهو ما قد يجعل الناظور قطباً لوجستياً جديداً لا يخدم الإقليم وحده، بل يندمج ضمن منظومة التجارة والصناعة الوطنية.
ويبرز الحضور الصيني أيضاً في مشاريع البنية التحتية المواكبة لهذا التحول، بعدما فاز تجمع تقوده شركتان صينيتان بصفقة لتوريد أجهزة السكك والمفاتيح الحديدية لعدد من المشاريع بالمغرب، من بينها الوصلة السككية المؤدية إلى ميناء الناظور غرب المتوسط، بقيمة تقارب 206.4 ملايين درهم.
وبذلك، تتقاطع في الناظور ثلاثة عناصر أساسية: استثمارات صناعية صينية، وبنية تحتية مينائية ولوجستية جديدة، وسلاسل إنتاج مرتبطة بقطاعات واعدة، خصوصاً الصناعة والطاقة المتجددة والمواد المتخصصة.
وتوفر هذه المعادلة للمستثمرين الصينيين فرصة للاستفادة من الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من أوروبا، إلى جانب البنية التحتية الصناعية والمينائية والاتفاقيات التجارية التي تتيح الوصول إلى مجموعة واسعة من الأسواق.
لكن الرهان الحقيقي بالنسبة للناظور لن يقاس فقط بعدد الشركات التي ستختار الاستقرار فيها أو بحجم الاستثمارات التي سيتم الإعلان عنها، وإنما بمدى قدرة الإقليم على تحويل هذه الدينامية إلى قيمة اقتصادية محلية مستدامة.
ويظل نجاح التجربة مرتبطاً بمدى قدرة المنطقة على خلق شبكة من الموردين والمقاولات المحلية، وتكوين اليد العاملة المؤهلة، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير الخدمات المرتبطة بالصناعة واللوجستيك.
فالتحدي يتمثل في الانتقال من مجرد استقطاب وحدات إنتاجية إلى بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة محلية وتعزيز موقع الناظور داخل سلاسل الإنتاج الدولية.
وبعد سنوات ظل فيها الإقليم بعيداً نسبياً عن الأقطاب الصناعية الكبرى للمملكة، تبدو الناظور اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف دورها الاقتصادي.
فميناء الناظور غرب المتوسط لا يمثل مجرد مشروع مينائي جديد، وإنما يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لتحول أوسع يجعل من الإقليم بوابة صناعية ولوجستية جديدة على البحر الأبيض المتوسط.
ومع تنامي اهتمام الشركات الصينية، وبروز استثمارات مترابطة في الصناعة والطاقة المتجددة والمواد المتخصصة، قد تشهد السنوات المقبلة تحولاً عميقاً في موقع الناظور داخل الاقتصاد المغربي والإقليمي.
وعلى الضفة الجنوبية للمتوسط، تتشكل تدريجياً منصة تلتقي فيها الصناعة الصينية بالموقع الاستراتيجي للمغرب والأسواق الأوروبية والدولية، في معادلة اقتصادية قد تجعل من الناظور واحدة من أبرز وجهات الاستثمار الصناعي واللوجستي في المنطقة المتوسطية.




