الرئيسيةثقافة وفنمجتمع

في ندوة “تمكين المرأة” بالبيضاء.. حسنة كجي تسرق الأضواء وتضع السياسيين في قفص الاتهام العلمي

مراسلة خاصة. الدار البيضاء 

شهدت جهة الدار البيضاء سطات، في قلب العاصمة الاقتصادية للمملكة، حدثا فكريا استثنائيا يوم السبت 7 مارس 2026، حيث تحول مقر الجهة إلى منصة إشعاع علمي وحقوقي رفيع المستوى، احتفاء باليوم العالمي للمرأة.

هذا اللقاء الذي لم يكن مجرد محطة مناسباتية، بل جاء تحت عنوان عريض يحمل دلالات عميقة: “تمكين المرأة في المغرب: تحولات الإطار القانوني والمؤسساتي وآفاق العدالة الاجتماعية والمجالية”.


وقد نظمت هذا النشاط العلمي المنسقية العامة للهيئات الاستشارية لمجلس جهة الدار البيضاء سطات، بتعاون وثيق مع المركز الديمقراطي المغربي للدراسات والابحاث، لتصيغ بذلك مشهدا أكاديميا يجمع بين خبرة المؤسسات المنتخبة وعمق البحث العلمي الرصين.في هذا السياق تميز هذا اللقاء  الفكري بمشاركة شخصيات طبعت المسار الاكاديمي والسياسي بالمغرب، حيث افتتح اللقاء بكلمة عابرة من رئيس جهة الدار البيضاء سطات، عبد اللطيف معزوز، رحب فيها بالحضور وأشار باقتضاب إلى أهمية الموضوع في السياق الجهوي، لتنطلق بعدها مباشرة المداخلات العلمية الرصينة التي أثثت المنصة بوجود علمي فاطمة الزهراء، عميدة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، والباحث  سعيد خمري من كلية المحمدية، والحقوقية البارزة خديجة الرباح.

وفي هذا الصدد، طغت بشكل لافت البصمة العلمية بعمق ميداني، حيث استوقفت الحاضرين وأثارت نقاشا معمقا مداخلة الدكتورة حسنة كجي، عميدة كلية العلوم القانونية والسياسية، التي تعد قامة أكاديمية يشهد لها بالبنان في الأوساخ الجامعية المغربية والدولية.

في السياق ذاته، قدمت الدكتورة حسنة كجي ورقة علمية رصينة بعنوان “التمكين السياسي للمرأة بالمغرب: الواقع، الاكراهات والآفاق”، استطاعت من خلالها تفكيك بنية المشاركة النسائية في المشهد السياسي المغربي بذكاء حاد ورؤية استشرافية.

انطلقت الدكتورة كجي في تحليلها من المكتسبات الدستورية والقانونية التي راكمتها المملكة، مؤكدة أن المغرب قطع اشواطا هامة في مأسسة حقوق المرأة، ليس فقط كاستجابة للمطالب الحقوقية، بل كضرورة ديمقراطية تفرضها متطلبات الدولة الحديثة. وبأسلوبها الاكاديمي الذي يجمع بين الدقة القانونية والتحليل السوسيولوجي، أوضحت أن الترسانة القانونية، رغم قوتها، تظل بحاجة إلى بيئة مجتمعية حاضنة تحول النصوص إلى ممارسات يومية ملموسة.

ولم تكتف الدكتورة كجي برصد المنجزات، بل غاصت بعمق في تشريح الاكراهات التي لا تزال تكبل الطاقات النسائية، حيث اشارت بجرأة أكاديمية إلى المعيقات الثقافية والاجتماعية التي تعيد انتاج الصور النمطية، والقيود الاقتصادية التي تضعف استقلالية المرأة وقدرتها على التفرغ للعمل السياسي.

هذا التشخيص الدقيق لم يكن الغرض منه التباكي على الواقع، بل كان منطلقا لصياغة مقترحات عملية تروم تعزيز التكوين السياسي للمرأة وتشجيعها على اقتحام مراكز صنع القرار داخل الاحزاب والهيئات المنتخبة، بعيدا عن منطق “الكوطا” الصرف، وصولا إلى مرحلة الاستحقاق القائم على الكفاءة والندية.

وفي سياق مواز، عرف اللقاء تفاعل الحضور بشكل لافت مع الطرح الذي قدمته الدكتورة كجي، حيث أشاد المشاركون بقدرتها الفائقة على المزاوجة بين التنظير الاكاديمي والواقع الميداني، وهو ما يعكس خبرتها الطويلة في تدبير الشأن الجامعي واطلاعها الواسع على قضايا الشأن العام.

وفي هذا الصدد، قد اعتبر العديد من المتدخلين أن مداخلتها شكلت خارطة طريق لكل باحث أو فاعل سياسي يرغب في فهم تعقيدات الملف النسائي بالمغرب، خاصة وأنها ركزت على مفهوم “العدالة المجالية” كشرط اساسي لتمكين المرأة القروية والمناطق البعيدة، وليس فقط نساء الحواضر الكبرى.

في سياق متصل، أغنى المشاركون النقاش برؤى متكاملة، حيث استعرضت خديجة الرباح تجربة المجتمع المدني في الترافع من أجل تجويد القوانين، بينما قدم سعيد خمري والدكتورة علمي فاطمة الزهراء مقارنات دولية تبرز موقع المغرب الريادي في المنطقة العربية والأفريقية فيما يخص الاصلاحات التشريعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي.

كما لا يمكن غض الطرف عن الدور التنظيمي المتميز الذي قامت به الاستاذة رقية أشمال، نائبة رئيس الجهة، التي ساهمت في توفير بيئة حوارية فعالة، تسمح بتبادل الخبرات والمعلومات بشكل سلس، وتتيح لجميع المشاركين التعبير عن آرائهم وتجاربهم بحرية.

وجدير بالذكر أن التقرير الختامي لهذه الندوة لم يكن مجرد سرد للتوصيات، بل كان إعلانا عن ميلاد رؤية جديدة تؤمن بأن تمكين المرأة هو تمكين للمجتمع ككل.

للإشارة، توج اللقاء بالاتفاق على ضرورة تعزيز البرامج التدريبية الموجهة للنساء والشباب، ودعم البحث العلمي في مجال النوع الاجتماعي، مع الدعوة إلى خلق مرصد جهوي يتتبع مسار التمكين السياسي والاقتصادي للمرأة بجهة الدار البيضاء سطات. ويبقى حضور الدكتورة حسنة كجي في هذا المحفل رمزا للمرأة المغربية المتعلمة والمؤثرة، التي لا تكتفي بتبوأ المناصب العليا، بل تسخر علمها وخبرتها لتنوير الرأي العام وصناعة جيل جديد من الكفاءات النسائية القادرة على قيادة مغرب الغد بكل ثقة واقتدار.

لقد خرج المشاركون بانطباع مفاده أن الندوة كانت لحظة فارقة في النقاش العمومي حول قضايا المرأة، حيث اجتمعت فيها دقة الأرقام بفيض الافكار، وصرامة القانون برؤية العدالة الاجتماعية. إن الاحتفاء بالدكتورة حسنة كجي كنموذج أكاديمي ناجح، هو في جوهره احتفاء بكل النساء المغربيات اللواتي يبصمن على مسارات متميزة في صمت ومسؤولية، وهو تأكيد على أن الجامعة المغربية تظل هي الخزان الحقيقي للنخب القادرة على مرافقة التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، التي وضعت قضايا المرأة في صلب مشروعها المجتمعي الحداثي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى