قفة رمضان بين نبل التضامن وفخ التسويق: قراءة في ازدواجية الخطاب التجاري

نجلاء الكوار
يصبح شهر رمضان المبارك واجهات المساحات التجارية الكبرى بحلل تضامنية براقة، حيث تزدان الممرات بشعارات إنسانية تدعو الزبائن للمساهمة في “قفة رمضان” وإعانة الأسر المعوزة، وهي مبادرات تبدو في ظاهرها تجسيدا لقيم التكافل والبر، لكنها في العمق تفتح بابا واسعا للتساؤل حول ازدواجية الخطاب بين ما يعلن للجمهور وما يمارس خلف الكواليس، فالعملية التي تغلف بلحاف الإحسان النبيل تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة تسويقية ذكية تهدف إلى تلميع الصورة المؤسساتية، بينما تظل الأسئلة المشروعة معلقة حول مدى صدق هذا التوجه الإنساني حين يصطدم بالواقع الداخلي للمؤسسة نفسها، وهل يستقيم أن نطالب الغريب بالعطاء ونحن نمارس التقتير على القريب؟
إن المفارقة الصارخة تكمن في الفجوة الواسعة بين “التسويق” و “الضمير”، إذ لا يمكن لأي عاقل أن يرفض فكرة مساعدة المحتاجين، غير أن الألم يعتصر المتابع حين يجد أن هذه المؤسسات التي تحث الزبائن على التبرع، تقدم لمستخدميها وعمالها وجبات إفطار تفتقر لأدنى معايير الجودة والتقدير…
فكيف يستسيغ العقل أن تدعو إدارة تجارية الناس للبدل والسخاء، وهي لا تكاد تضمن لموظفيها الذين يواجهون ضغط العمل المتزايد وساعات الذروة المرهقة أبسط مظاهر التكريم، إن هذا التناقض يضعنا أمام استعراض قيمي يفتقد للقاعدة الصلبة، فالتضامن الحقيقي لا يبدأ من جيوب الزبائن أمام الكاميرات، بل ينبثق أولا من تقدير مجهود العامل الذي يسهر على نجاح هذه المنظومة الربحية.
ومع ارتفاع أرقام المعاملات وتضاعف الأرباح في هذا الشهر الذي يتحول إلى موسم تجاري بامتياز، يصبح من الواجب الأخلاقي أن يرتفع معه منسوب المسؤولية الاجتماعية تجاه الرأس مال البشري، فالمبيعات التي تحقق قفزات نوعية هي ثمرة تعب عمال ومستخدمين يواجهون إرهاق الصيام وضغط المتسوقين، ومن المنطقي أن ينعكس هذا الرواج على ظروف عملهم، سواء من خلال منح رمزية أو وجبات إفطار تليق بآدميتهم، أو حتى عبر كلمة شكر صادقة ترفع من معنوياتهم، فالمؤسسة التي تعجز عن إكرام أهل بيتها، تظل دعوتها للإحسان الخارجي مجرد صدى لخطاب دعائي يفتقر للروح والمصداقية.
وفي نهاية المطاف، يجب التأكيد على أن العمل الخيري مهما سما لا يمكن أن يكون بديلا عن العدالة الاجتماعية، فبينما يظل الإحسان مبادرة اختيارية، يبقى احترام حقوق العامل وصون كرامته واجبا مهنيا وأخلاقيا لا يقبل المقايضة، إن رمضان يمثل مرآة حقيقية للقيم، والمؤسسة التي تضع كرامة موظفيها فوق اعتبارات الربح السريع لا تحتاج لملصقات ترويجية لتثبت إنسانيتها، لأن التضامن الانتقائي الذي يركز على الواجهات ويهمل العمق يظل مجرد قشرة رقيقة سرعان ما تكشفها تفاصيل المعاملة اليومية، فالصدق في الشعارات يبدأ من احترام الذات ومن ثم احترام الآخرين.




