
في تحرك استراتيجي يهدف إلى تحصين الرأسمال البيولوجي البحري للمملكة، أصدرت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، التابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، القرار السيادي رقم PP.04/26 الصادر بتاريخ 26 فبراير 2026، والذي يقضي بالإغلاق الفوري والشامل لمنطقة تركز صغار الأسماك، المعروفة علميا باليرقات والأحداث، على مستوى مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة بالأطلسي الجنوبي
يأتي هذا الإجراء في سياق تنزيل تدابير تنظيمية صارمة تروم حماية الموارد البحرية الحية وضمان استدامتها للأجيال القادمة، بعيدا عن منطق الاستنزاف اللحظي، حيث يعكس القرار وعيا عميقا بضرورة التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والنمو البيولوجي الطبيعي للمخزونات السمكية التي تشكل عصب الاقتصاد في الأقاليم الجنوبية.
وفي هذا الصدد نص القرار في شقه التنفيذي على منع صيد الأسماك السطحية الصغيرة منعا كليا داخل المنطقة المحددة بدقة عبر الإحداثيات الجغرافية المرفقة بالقرار، وذلك ابتداء من أولى دقائق يوم الخميس 27 فبراير 2026 على الساعة 00:00، ويمتد هذا الحظر الزمني إلى غاية يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 على الساعة 24:00، وهو إجراء شمولى لا يستثني أي وحدة صيدية تنشط في هذه المصيدة، سواء كانت سفن الصيد الساحلي أو سفن الصيد في أعالي البحار المرخص لها باستغلال هذا الصنف من الموارد، مما يقطع الطريق أمام أي ثغرات قد تؤدي إلى صيد الأحداث وتدمير السلسلة الإنتاجية في مهدها.
للإشارة، تستند هذه الخطوة إلى ترسانة قانونية مغربية صلبة تؤطر قطاع الصيد البحري، بدءا من مقتضيات الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1-73-255 الصادر في 23 نونبر 1973، الذي يعد الدستور المنظم للصيد البحري بالمغرب، مرورا بالمرسوم رقم 2-07-230 الصادر في 4 نونبر 2008 المتعلق بكيفيات صيد الأسماك السطحية الصغيرة، وصولا إلى القرار الوزاري رقم 3049 الصادر في 8 أكتوبر 2019 وتعديلاته اللاحقة، مما يمنح هذا الإغلاق المؤقت مشروعية قانونية كاملة تحصن القرار من أي تأويلات وتضمن نفاذه بقوة المؤسسات، مؤكدا على أن حماية الموارد هي أولوية وطنية تعلو فوق المصالح التجارية الآنية.
وجدير بالذكر أن هذا القرار تأسس على قاعدة بيانات علمية دقيقة وفرها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري عبر رأيه التقني رقم 10/0226/INRH المؤرخ في 20 فبراير 2026، حيث أكدت الأبحاث الميدانية تسجيل تركز استثنائي ومهم لصغار الأسماك في هذه المنطقة، مما استوجب تدخل الدولة لحمايتها خلال هذه المرحلة الحرجة من دورة نموها.

وفي هذا السياق، يهدف هذا الإجراء العلمي إلى تمكين اليرقات من بلوغ الحجم التجاري المطلوب، وضمان تجدد المخزون السمكي وتفادي ظاهرة “الصيد الجائر للأحداث” التي تؤدي إلى انهيار المصايد، مما يرفع من مردودية الاستغلال في المواسم القادمة ويضمن استقرار العرض في الأسواق الوطنية والدولية.
يشار أن مصيدة الأطلسي الجنوبي تمثب الركيزة الأساس لنشاط الصيد البحري بالمغرب، حيث تتركز فيها أنواع استراتيجية مثل السردين والإسقمري والأنشوبة، وهي أصناف تغذي وحدات صناعية ضخمة للتعليب والتجميد وتوفر آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، لذا فإن هذا الإغلاق ليس تعطيلا للنشاط بل هو “استثمار بيولوجي” لضمان استمرارية الوحدات الصناعية، ومن المرتقب أن تخضع المنطقة لمراقبة حديدية تنسقها مصالح قطاع الصيد البحري بتعاون وثيق مع البحرية الملكية والدرك الملكي البحري، لضرب أي محاولة لخرق القرار، تأكيدا على حزم الدولة في حماية أمنها الغذائي وثرواتها السيادية.




