الرئيسيةمجتمعوطني

مجلس المستشارين يصادق على قانون التعليم العالي وسط تحفظات أكاديمية ومخاوف من المساس باستقلالية الجامعة

في جلسة تشريعية بدت هادئة في شكلها، لكنها مثقلة بدلالات سياسية عميقة في مضمونها، صادق مجلس المستشارين، يوم الثلاثاء 13 يناير 2026، بالأغلبية على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، واضعًا بذلك لبنة جديدة في مسار إصلاح جامعي لا يزال يثير أكثر مما يطمئن.

الخطاب الرسمي، كما قدم داخل قبة البرلمان، يشي بإجماع ظاهري حول “تحديث الإطار القانوني” و“تعزيز الحكامة” و“مواكبة التحولات”، وهي مفردات أصبحت لازمة لغوية ثابتة في كل إصلاح عمومي. الوزير أكد أن المشروع يندرج ضمن تنزيل القانون الإطار 51.17، ويهدف إلى بناء جامعة منفتحة وفعالة وقادرة على التفاعل مع محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن هذا السرد المتفائل يصطدم، خارج الجلسة التشريعية، بواقع جامعي قَلِق، وبجسم أكاديمي يرى في النص أكثر من مجرد تحديث تقني.

في هذا السياق يؤكد أكاديميون أنه لا يمكن قراءة هذا القانون خارج سياق عام تتجه فيه الدولة إلى إعادة ترتيب أدوار المؤسسات العمومية وفق منطق النجاعة والربط بالأداء، وهو منطق مشروع من حيث المبدأ، لكنه يصبح إشكاليًا حين يسقط على الجامعة دون ضمانات صلبة لاستقلالها الأكاديمي والديمقراطي.

للإشارة فمقتضيات مثل استحداث مجلس الأمناء، وتوسيع هامش تدخل الفاعلين الخارجيين، تقدم كآليات دعم وتوجيه، بينما يراها منتقدو المشروع بوابة محتملة لإعادة توزيع السلطة داخل الجامعة، بعيدًا عن المجالس المنتخبة تقليديًا.

وجدير بالذكر أن النقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي لم تتأخر في دق ناقوس الخطر، ووصفت المشروع بأنه “ردة خطيرة” تمس جوهر الجامعة العمومية، ليس فقط من حيث الحكامة، بل من حيث الفلسفة المؤطرة لها.

الاحتجاج هنا لا يتعلق بتفصيل قانوني معزول، بل برؤية شاملة ترى أن المشروع أُعد بمنطق فوقي، دون إشراك فعلي للأساتذة الباحثين، ودون حوار اجتماعي حقيقي يراعي التراكم التاريخي للمطالب الجامعية. هذا الرفض النقابي، مهما اختلفت الآراء حول حدته، يعكس فجوة ثقة متنامية بين صانع القرار والفاعل الأكاديمي.

وفي سياق مواز، رغم تسجيل ملاحظات وتحفظات برلمانية خلال المناقشة العامة، فإن مسار المصادقة سار بسلاسة لافتة، ما يطرح سؤال الديمقراطية التشريعية وحدودها الفعلية. هل كانت النقاشات كافية لإعادة النظر في الاختلالات البنيوية التي أشار إليها المهنيون؟ أم أن الأغلبية العددية حسمت الأمر بمنطق الانضباط السياسي، تاركة الرهان الحقيقي لمرحلة التطبيق؟ هنا بالضبط يتحول القانون من نص تشريعي إلى اختبار سياسي.

الرهان المعلن هو جامعة أكثر ارتباطا بالتنمية وسوق الشغل، لكن الرهان غير المعلن، في نظر المنتقدين، هو تحويل الجامعة إلى فاعل اقتصادي قبل أن تظل فضاء حرا لإنتاج المعرفة والنقد. الخشية لا تتعلق فقط بالأساتذة، بل بالطلبة أيضا، وبمستقبل تكافؤ الفرص، خاصة إذا ما توسعت الشراكات والآليات التنافسية دون آليات تصحيح اجتماعي واضحة، وهو ما قد يعمق الفوارق بين المؤسسات والجهات.

شهادات من جامعيين تؤكد أن القانون 59.24 ليس مجرد محطة تشريعية عابرة، بل عنوان لمرحلة سياسية جديدة في تدبير التعليم العالي، مرحلة قد تنجح إذا ما رافقتها إرادة حقيقية لإشراك الفاعلين، وقد تتحول إلى بؤرة توتر مزمنة إذا استمرت بلغة الفرض بدل الإقناع. الجامعة، في نهاية المطاف، ليست إدارة تعاد هيكلتها فقط، بل كيان رمزي ومعرفي، وأي إصلاح يتجاهل هذا البعد، مهما كان أنيقًا في نصوصه، يظل مهددًا بالتصادم مع الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى