
ترتكز ميزانية سنة 2026 على رؤية شمولية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، من خلال أربع أولويات رئيسية تتمثل في تعزيز إقلاع المملكة، وضمان التوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية، وتسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية الكبرى، مع الحفاظ على توازن المالية العمومية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي والمتخصص في السياسات العمومية، عبد الغني يومني، أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يجسد تمرينا متقدما في تحقيق التوازن بين الصرامة الميزانياتية والعدالة الاجتماعية، مشيرا إلى أنه لم يعد مجرد أداة لتدبير السياسات العمومية، بل أصبح وسيلة للتوجيه الاستراتيجي ترسم ملامح النموذج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب خلال السنوات المقبلة.
ويجسد المشروع استمرارية للنهج الحكومي القائم على الجمع بين الانضباط المالي وتسريع الإصلاحات ذات الأثر الاجتماعي القوي. وفي هذا الإطار، تم تعزيز الجانب الاجتماعي من الميزانية عبر تخصيص غلاف مالي إجمالي يناهز 140 مليار درهم لقطاعي الصحة والتعليم، أي بزيادة قدرها 21 مليار درهم مقارنة بسنة 2025، مع إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي جديد في القطاعين.
ثلاثية التوازن المالي: العجز، الدين، والنمو
يشير يومني إلى أن الظرفية الاقتصادية العالمية تتسم بتباطؤ الطلب وضغوط متزايدة على المالية العمومية، ما يجعل الهدف المتمثل في خفض العجز إلى 3 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 هدفا طموحا.
ولتحقيق هذا الهدف، قد تلجأ الحكومة إلى توسيع نطاق تمويلها الخارجي عبر الإصدارات السيادية أو القروض متعددة الأطراف، وهو خيار يساعد على الحفاظ على الاستقرار الميزانياتي على المدى القصير، لكنه يرفع في المقابل من درجة الهشاشة أمام تقلبات أسعار الفائدة والصرف.
ويبلغ الدين العمومي حاليا نحو 70 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي، في حين يقترب الدين الخارجي من 30,2 بالمائة من الناتج الإجمالي الاسمي، وهي مستويات تتطلب مراقبة دقيقة لتفادي أي اختلالات.
ويضيف الخبير أن مشروع قانون المالية يستند إلى توقعات نمو تناهز 4,5 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 87 مليار درهم من الثروة الإضافية، مع ناتج إجمالي مقدر بـ1.940 مليار درهم. ويرى أن تحقيق هذه الدينامية من شأنه أن يعوض جزئيا الاختلالات المالية، غير أن استدامة النمو تظل رهينة بإصلاحات ضريبية وهيكلية أكثر عمقا، وتنويع حقيقي لمصادر التمويل.
ويؤكد يومني أن المشروع يعكس جوهر أي سياسة عمومية حديثة، من خلال التوفيق بين الاستقرار المالي ودعم الاستثمار والعدالة الاجتماعية، مشددا على أن تمويل الدولة الاجتماعية يجب أن يستند إلى البحث والابتكار والجاذبية الصناعية بدل الاعتماد المفرط على الاقتراض.
كما يبرز أن المغرب حافظ على الطابع الإنتاجي لمديونيته بفضل توجيهها نحو تمويل مشاريع البنى التحتية وتعزيز التنافسية الاقتصادية طويلة الأمد، بدلا من تمويل نفقات استهلاكية محدودة الأثر.
ويعتبر الخبير أن المملكة قادرة على الحفاظ على حجم استثمار عمومي يناهز 380 مليار درهم خلال سنة 2026، بفضل توازن محكم بين النمو والإيرادات الجبائية ونجاعة الإنفاق العمومي.
ويشدد على أن تعزيز مالية الدولة لا يمر عبر تقليص النفقات بشكل ميكانيكي، بل عبر إصلاح جبائي أكثر عدالة واتساعا يساهم في تحفيز الإنتاج الوطني وتشجيع الاستثمار المنتج. ويضيف أن الطلب العمومي، المدعوم بالمجهود الاستثماري، سيساهم في خلق فرص الشغل والقيمة المضافة، خصوصا في ظل المشاريع الكبرى المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، ما سيعزز التفاعل بين الاستثمارين العام والخاص ويحول النظام الجبائي إلى أداة للتنافسية وإعادة التوزيع العادل.
كما يلفت يومني إلى أن تعميم الحماية الاجتماعية يمثل تحولا تاريخيا يتطلب نموا مستداما لضمان تمويله، مشيرا إلى أن الاستدامة المالية تقتضي أن يتفوق نمو الاقتصاد على نمو النفقات الاجتماعية بنسبة لا تقل عن 1,5 إلى مرتين.
وتتحقق هذه الدينامية، بحسب الخبير، عبر خفض ملموس لمعدل البطالة لتوسيع قاعدة المساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية، وتعزيز الإيرادات الضريبية من خلال تحسين أداء الضريبة على الدخل والشركات.
ويخلص يومني إلى أن الاقتصاد القادر على خلق الثروة وفرص الشغل هو وحده القادر على تمويل دولة اجتماعية قوية ومستدامة، بعيدا عن نموذج يعتمد على الاقتراض لتغطية الخدمات الاجتماعية.
وبذلك، يكرس مشروع قانون المالية لسنة 2026 خيار المغرب في تحقيق توازن دائم بين الصرامة المالية، والنمو الشامل، واستدامة النموذج الاجتماعي، بما يعكس إرادة المملكة في الجمع بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية والاستثمار المنتج، خدمة لاقتصاد قوي ومتين وقادر على الصمود وخلق القيمة.
و.م.ع




