
وضعت هيئة الدفاع عن المقاولين المتابعين في ملف جماعة الفقيه بنصالح سلطة الوصاية في قلب المساءلة القانونية، محولة مسار النقاش من الاتهام المباشر بتبديد أموال عمومية إلى التساؤل عن شرعية ملاحقة القطاع الخاص على إجراءات إدارية صادقت عليها وزارة الداخلية. وفي جلسة يوم الجمعة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لم يكن الوزير السابق محمد مبديع وحده تحت المجهر، بل انتقل الثقل إلى تفكيك نظام الاستشارة الذي صاغته الإدارة، حيث اعتبر الدفاع أن المقاول ما هو إلا منفذ لتعاقدات مرت عبر القنوات الرسمية دون اعتراض من الجهات الرقابية.
وانبرت مرافعة المحامي امبارك المسكيني لتفنيد فرضية التواطؤ في الصفقة المثيرة للجدل رقم 12/2014، مشددا على أن دفتر التحملات والشروط التي وصفت بالتمييزية هي من مسؤولية الجماعة ومكتب الدراسات حصرا، ولا يمكن منطقيا ولا قانونيا إلزام المقاول بتبعات صياغة إدارية لم يشارك فيها.
واستنكر الدفاع تحميل شركة مقاولات وزر بنود لم تساهم في وضعها، مطالبا النيابة العامة والمفتشية العامة لوزارة الداخلية بتقديم دليل مادي واحد يثبت إقصاء أي منافس بسبب تلك الشروط، بدلا من الاكتفاء بافتراضات لا تسندها الوثائق.
وفي مقابل هذه الدفوعات، جاء رد النيابة العامة صارما وحاسما، حيث اعتبر ممثل الحق العام أن الوقائع المسطرة في الملف تتجاوز مجرد أخطاء إدارية لتشكل منظومة متكاملة من الاختلاس الممنهج.
وفي هذا السياق شددت النيابة العامة على أن المقاولين المتابعين لم يكونوا مجرد منفذين بل شركاء في الجريمة عبر قبولهم لمبالغ مالية ضخمة مقابل أشغال وهمية أو غير منجزة، مستدلة بنماذج صارخة لمبالغة في الأثمان، كرفع تكلفة اقتلاع الأشجار إلى أرقام خيالية، وهو ما يؤكد في نظرها وجود قصد جنائي مبيت لتبديد المال العام تحت غطاء صفقات صورية.
وفي مواجهة شهادة إحدى الأجيرات التي زعمت وجود اتفاقات سرية لتعديل الضمانات المالية بالتوافق مع مبديع، وصف الدفاع هذه التصريحات بالكلام المرسل الذي يفتقر للحجية، مشيرا إلى أن تخفيض الضمانة كان إجراء عاما شمل صفقات لم يشارك فيها موكله أصلا، مما يفرغ تهمة المحاباة من محتواها. وأوضح الدفاع أن نظام الاستشارة كان في بعض تفاصيله مجحفا في حق المقاول، وهو ما يتناقض مع أطروحة الامتيازات غير المشروعة، مؤكدا أن تصديق وزارة الداخلية على هذه الصفقات دون تسجيل أي ملاحظة يعد تزكية قانونية تجعل من ملاحقة المقاول أمرا يفتقد للمشروعية الإجرائية.
واختتم الدفاع مداخلته بالتأكيد على أن القانون يكتفي بالإشارة إلى العمالة أو الإقليم عند تحديد مكان الصفقة، وأن كافة الإجراءات تمت تحت أنظار سلطات الوصاية التي لم تبد أي اعتراض حينها. وتساءل المسكيني بكثير من الارتياب عن كيفية مساءلة شركة خاصة عن اختيارات تقنية وإدارية تم اعتمادها من قبل الدولة مسبقا، في موقف يعكس الطابع القانوني والنقدي لمحاولة الربط بين الالتزام بالإجراءات الرسمية والتهم الثقيلة الموجهة للمقاول في هذا الملف الذي يشغل الرأي العام.
وتلخيصا للمواجهة القانونية، يرتكز دفاع المقاولين على أن الجماعة ومكاتب الدراسات هي المسؤولة حصرا عن صياغة العقود، وأن مصادقة وزارة الداخلية تمنح الصفقات صبغة المشروعية المطلقة، بينما تصر النيابة العامة على أن المقاولين شركاء فاعلون في “خياطة” الشروط على مقاسهم ونهب المال العام عبر تضخيم الفواتير وأشغال وهمية، معتبرة أن المصادقة الإدارية لا تحمي من التبعات الجنائية لجرائم التواطؤ.




