بعث المغرب، من قلب نيويورك، بإشارات سياسية تتجاوز حدود القمة الثلاثية التي جمعته بإسرائيل والولايات المتحدة، بعدما أفضت إلى قرار الارتقاء بالعلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، بالتوازي مع التحضير لاتفاقيات جديدة في مجالات حماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة.
وعكست هذه الخطوة توجهاً يتجاوز الطابع البروتوكولي للقاء، خصوصاً أنها جاءت بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، بما أضفى على المشهد بعداً سياسياً ودبلوماسياً أوسع، ووضعه في سياق التحركات المغربية الرامية إلى توسيع شبكة الشراكات الدولية وتنويع دوائر التعاون.
ويبدو أن الرباط تتحرك وفق مقاربة تقوم على توسيع هامش المناورة، من خلال عدم حصر خياراتها الخارجية في شريك واحد أو فضاء جغرافي محدد. فإلى جانب الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، يواصل المغرب تطوير علاقاته مع إسرائيل، ويحافظ في الوقت نفسه على روابط سياسية واقتصادية واسعة مع أوروبا، فضلاً عن انفتاحه المتزايد على شركاء وقوى دولية أخرى.
ويحمل اجتماع الأعلام المغربي والأمريكي والإسرائيلي في نيويورك دلالة رمزية على هذا التوجه، باعتباره يعكس حرص الرباط على تنويع شراكاتها وتوسيع شبكة المصالح التي تربطها بمختلف القوى الدولية.
ولا يعني هذا التحرك، في المقابل، أن المغرب يتجه نحو القطيعة مع أوروبا أو يسعى إلى استبدال شريك بآخر. فالاتحاد الأوروبي يظل فضاءً اقتصادياً أساسياً بالنسبة للمملكة، بالنظر إلى حجم المبادلات التجارية والاستثمارات والعلاقات المتشابكة التي تجمع الجانبين.
وتفرض هذه المصالح المشتركة استمرار العلاقة المغربية الأوروبية، حتى عندما تظهر خلافات سياسية أو تتباين المواقف بشأن بعض الملفات. لذلك، فإن توسيع الرباط لعلاقاتها مع واشنطن وتل أبيب لا يبدو بديلاً عن الشراكة الأوروبية، بقدر ما يمثل مساراً موازياً لتوسيع الخيارات المتاحة أمام السياسة الخارجية المغربية.
وتأتي الخطوة الجديدة مع إسرائيل لتضيف بعداً آخر إلى هذه الشبكة، خصوصاً مع التركيز على مجالات الاستثمار والتجارة والطيران والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي. وهي مجالات يمكن أن تمنح العلاقات الثنائية مضموناً عملياً يتجاوز الجانب السياسي والدبلوماسي.
وتكشف هذه التحركات، في جانب آخر، عن توجه مغربي نحو تحويل العلاقات الدولية إلى شبكة متداخلة من المصالح، بحيث لا تقوم الشراكات على البعد السياسي وحده، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والطاقة والبنيات التحتية والاستثمار.
وكلما اتسعت دائرة هذه الشراكات، ازدادت الخيارات المتاحة أمام الرباط في إدارة ملفاتها الخارجية، خصوصاً عندما تتباين المصالح أو تختلف المواقف بين الشركاء. ومن هذه الزاوية، يصبح تنويع العلاقات أداة لتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية، وليس مجرد بحث عن بدائل ظرفية.
ومن هنا، يمكن قراءة القمة الثلاثية في نيويورك باعتبارها حلقة ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب الأولويات والشراكات، وليس بالضرورة باعتبارها رسالة موجهة ضد بروكسل أو أي عاصمة أخرى.
وبين نيويورك وبروكسل، تبرز معادلة أكثر وضوحاً في السياسة الخارجية المغربية: الحفاظ على الشراكة الأوروبية، مع تعزيز الحضور الأمريكي وتطوير العلاقات مع إسرائيل وفتح قنوات أوسع مع شركاء آخرين.
وتعكس هذه المقاربة رغبة في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات، بحيث لا يصبح القرار المغربي مرتبطاً بمسار واحد أو شريك واحد، وإنما يستند إلى شبكة واسعة من المصالح والعلاقات المتبادلة.
وإذا أمكن اختزال هذا التوجه في عبارة “المغرب أولاً”، فإن ترجمتها العملية لا تمر عبر إغلاق الأبواب، وإنما عبر فتح أكبر عدد ممكن منها، بما يسمح للرباط بتوسيع هامش حركتها وحماية مصالحها في بيئة دولية تتغير باستمرار.
وبذلك، لا تبدو تحركات المغرب في نيويورك مجرد تطور جديد في علاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة، بل جزءاً من مقاربة أوسع لإدارة علاقاته الدولية، تقوم على تنويع الشركاء وتوسيع المصالح والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، وفي مقدمتها أوروبا.
وفي هذا السياق، تتحول نيويورك من مجرد محطة دبلوماسية إلى واجهة لمسار أكبر: مسار يعيد فيه المغرب ترتيب أوراقه الخارجية، ويوسع خياراته، ويعمل على بناء شبكة من الشراكات تسمح له بالتحرك بمرونة أكبر في الملفات الاستراتيجية.




