
قال بدر الزاهر الأزرق، الأستاذ الباحث في الاقتصاد وقانون الأعمال، إن مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط يشكل امتدادًا استراتيجيًا للتجربة الرائدة لميناء طنجة المتوسط، مبرزًا أن المغرب يطمح إلى استنساخ هذا النموذج الناجح ليس فقط من حيث البنية التحتية، بل أيضًا على مستوى الحكامة والتدبير وتحقيق الأثر الاقتصادي والتنموّي.
وأوضح الأزرق، في تصريح، أن خصوصية ميناء الناظور غرب المتوسط تنبع من الموقع الجغرافي والرهانات الاقتصادية للجهة الشرقية، مشيرًا إلى أن ميناء طنجة المتوسط مكن المغرب من الارتقاء إلى مصاف أفضل خمسة موانئ عالميا من حيث الكفاءة وحجم الرواج، وهو ما انعكس إيجابًا على التنمية الاقتصادية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في حين يُنتظر أن تستفيد الجهة الشرقية اليوم من الدينامية نفسها.
وأكد أن ميناء الناظور غرب المتوسط لا يقتصر على كونه ميناءً تقليديًا، بل هو مركب مينائي وصناعي متكامل، يجمع بين أنشطة مسافنة الحاويات وتخزين وتصدير المحروقات، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المسال، باعتباره أول ميناء من نوعه في المغرب، ما يجعله مؤهلا لاستقطاب استثمارات وطنية ودولية كبرى في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها.
وأشار الأزرق، المحلل السياسي والمتخصص في شؤون الموانئ، إلى أن هذا المشروع، الذي تقدر كلفته بما بين خمسة وستة مليارات دولار، يُعد أداة محورية لتنزيل أحد أهم المشاريع القارية، والمتعلق بأنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب وصولًا إلى أوروبا، متوقعًا أن يُحدث الميناء تحولا جذريًا في اقتصاد الجهة الشرقية من خلال خلق فرص شغل جديدة وتوطين صناعات مرتبطة بالمحروقات والغاز المسال.
وأضاف أن المركب المينائي سيساهم بشكل مباشر في تعزيز السيادة الطاقية للمملكة، عبر تمكينها من استيراد وتخزين وإعادة تصدير الغاز، وتوفير احتياطي استراتيجي طويل الأمد يخدم الصناعة الوطنية، ويحد من تأثير تقلبات الأسواق الدولية على الاقتصاد المغربي، في انتظار استكمال باقي المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة وأنبوب الغاز الإفريقي.
وسجل أن الموقع الاستراتيجي للميناء، وارتباطه بأنبوب الغاز المغاربي نحو إسبانيا وأوروبا، يؤهل المغرب للاضطلاع بدور فاعل في تزويد الأسواق الأوروبية بالغاز، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة وتراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، معتبرًا أن المغرب سيحقق مكاسب مزدوجة تتمثل في تعزيز السيادة الطاقية وتنشيط الرواج التجاري.
وشدد الأزرق على أن التوجيهات الملكية السامية تؤكد ضرورة استفادة جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاع الميناء من هذه الاستثمارات، مبرزًا أن الجهة الشرقية تتقاسم عدة خصائص مع جهة الشمال قبل إطلاق مشروع طنجة المتوسط، من حيث الطابع الحدودي وهيمنة الاقتصاد غير المهيكل، ما يجعلها مرشحة لتحقيق نتائج تنموية مماثلة.
وأوضح أن المغرب يتجه نحو منظومة موانئ متخصصة، حيث يركز ميناء طنجة المتوسط على مسافنة الحاويات وصناعة السيارات، بينما سيتخصص ميناء الناظور غرب المتوسط في المحروقات والغاز، بما يحقق تكاملًا داخل المنظومة المينائية الوطنية، ويعزز جاذبية الجهة الشرقية للصناعات والخدمات المرتبطة بالطاقة والنقل البحري.
وأشار إلى أن حجم الاستثمارات العمومية والخاصة المرتقبة، والتي تناهز 51 مليار درهم، يعكس ثقة الفاعلين الدوليين في مناخ الاستثمار بالمغرب، وهي ثقة مبنية على نجاح تجربة طنجة المتوسط، التي اعتمدت نموذج حكامة قائمًا على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو النموذج نفسه الذي سيتم اعتماده في مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط.
وختم الأزرق بالتأكيد على أن المشروع يتطلب مواكبة شاملة على مستوى التكوين وتأهيل الموارد البشرية، وتعزيز البنية التحتية الطرقية والسككية، مبرزًا أن مشاريع الربط السككي، خاصة بين جرسيف والناظور، ستساهم في توسيع إشعاع الميناء ليشمل مجموع الجهة، وتمكن من إعادة رسم الهوية الاقتصادية للجهة الشرقية، والانتقال بها من اقتصاد حدودي هش إلى اقتصاد صناعي ولوجستي متكامل يدعم التنافسية الوطنية ويعزز تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية والطرق التجارية البحرية الكبرى.




