الرئيسيةدولي

نظام العسكر بالجزائر: هل اقتربت النهاية برحيل آخر جنرالات الحقد التاريخي؟

في الجزائر، تتقاطع ملفات السلطة والسياسة والطموح الغسكري، مما يعكس هشاشة التوازنات داخل النظام. فتفاقم مرض سعيد شنقريحة، قائد الجيش الوطني الشعبي، لم يكن يعد أزمة صحية شخصية، بل شرارة فجرت صراع السلطة بين أجنحة النظام، وأوجد فراغا استراتيجيا أثار جدلا واسعا حول مستقبل قيادة المؤسسة العسكرية ودورها في توجيه الدولة.

هذا الغياب كشف عن تمرد الجيل الجديد من “رجال النظام” الذين بدؤوا يرفضون سياسة المواجهة المكلفة التي اعتمدتها المؤسسة لعقود، سواء في الداخل أو في المنطقة المغاربية.

النظام العسكري الجزائري لم يعد مجرد قوة دفاعية، بل ظل لعقود لاعبا مركزيا يحدد أولويات الدولة وسياساتها. لكن هذا النفوذ لم يعد مطلقا كما في الماضي. الجيل الجديد من الضباط والمسؤولين المدنيين يدرك أن الاستمرار في التصعيد والمواجهة، سواء مع الجوار أو داخل الاقتصاد والمجتمع، أصبح غير مجد ومكلف، وأن الضغط على الدولة عبر سياسات التصعيد لا يؤدي إلا إلى استنزاف الموارد وتزايد الاحتقان الداخلي. هذا التحول الجزئي في موازين القوة يعكس أزمة أعمق: غياب دولة مدنية مستقلة فعليا. فالرئاسة والمؤسسات المدنية تحركها قرارات معلقة على توازنات الجيش، وأي محاولة لإصلاح شامل تصطدم بالقيود التي يفرضها نفوذ المؤسسة العسكرية.

ظهور أصوات داخل النظام تعارض النهج التقليدي يعكس صراعا بين الحرس القديم الذي يرى في التصعيد قوة وبين الجيل الجديد الذي يبحث عن براغماتية واستراتيجيات أكثر مرونة، خصوصا في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.

السياسة الخارجية الشعبوية المبنية على الاستثمار في الفوضى والقلاقل والأحقاد، تعكس أيضا هذا الانقسام. فبدلا من بناء تحالفات استراتيجية تعزز المصالح الوطنية، اختارت المؤسسة العسكرية في العقود الماضية نهج التصعيد، خصوصا تجاه المغرب وفرنسا، ما زاد من عزل الجزائر وأرهق مواردها، بينما يضغط الجيل الجديد على ضرورة تعديل هذا النهج لتخفيف التكاليف السياسية والاقتصادية.

في الداخل، يبقى المواطن وحده من يدفع ثمن هذه السياسات المكلفة: اقتصاد متعثر، بطالة مرتفعة، خدمات عامة متدهورة، وحياة يومية يهيمن عليها القلق وعدم اليقين.

المرض الذي أصاب شنقريحة كشف هشاشة المنظومة التقليدية وأعاد طرح أسئلة حول قيادة المؤسسة العسكرية ودورها في السياسة. هو اختبار لقدرة الجزائر على إعادة توازن القوى بين الجيش والدولة المدنية، وإعادة صياغة دور السياسة كأداة لحل الأزمات وليس كأداة ضغط أو تصعيد. الرهان الآن على رؤية واضحة: الجيش يجب أن يعود إلى مهمته الأساس، الدولة المدنية إلى دورها الحقيقي، والسياسات الوطنية إلى مسارها الطبيعي بعيداً عن الحسابات الشخصية والنفوذ غير المحدود.

اليوم، الجزائر أمام مفترق حقيقي. أزمة صحة شنقريحة ليست مجرد حادث فردي، بل مؤشر على صراع داخلي محتدم بين الأجيال داخل النظام، بين من يريدون الاستمرار في منطق التصعيد التقليدي ومن يسعى إلى تعديل الاستراتيجية بما يتلاءم مع تحديات القرن الحادي والعشرين. إذا لم يتم التعامل مع هذه التغيرات بحكمة، فقد تتحول الدولة إلى ملعب لصراعات داخلية تهدد استقرارها، وتؤخر أي فرصة لإصلاح حقيقي يمكن أن يعيد للمؤسسات استقلالها ويخفف العبء عن المواطن العادي، الذي يدفع ثمن سياسات مكلفة لم تعد تناسب زمنه وواقعه. استمرار منطق المواجهة والسيطرة فوق الدولة قد يحول المستقبل إلى اختبار عسير لمؤسسات ونظام ظل سنوات طويلة فوق رقعة السلطة، بلا مساءلة ولا مراجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى